بَسي التي كانت تغسل كتفَ الشتاء
د. عمران علي
(دوست)
في سيسك، القرية الكردية المسمّرة إلى شمال سوريا بمسمارٍ من برد، كانت الحدود التركية في الجهة الأخرى من الهواء؛ لا تُرى، لكن الأشجار كانت تعرفها، والريح كانت تعبرها كمن يعبر قبراً مفتوحاً دون أن يقرأ الشاهدة.
كان الليل هناك لا يحلّ.
كان ينبت.
ينبت من شقوق الجدران، من أفواه الآبار، من مفاصل الأبواب، من السجاد الذي نامت عليه أقدام كثيرة حتى صار للأقدام ذاكرةٌ تخصّها.
وفي الغرفة، كانت بَسي جالسةً قرب مدفأةٍ سوداء.
لم تكن مدفأة.
كانت حيواناً حديدياً عجوزاً يحرس آخر عظمةٍ من الشمس.
بطنها الأسطواني منتفخٌ بالنار، كأنها ابتلعت شمساً صغيرة ثم جلست تهضمها بصعوبة.
ومن أنبوبها صعد الدخان.
صعد لا إلى السقف، بل إلى سماءٍ أخرى مخفية فوق سقف البيت؛ سماءٍ من رماد، معلّقةٍ فوق سماءٍ من رماد، كأن البيت قد ابتكر لنفسه طبقاتٍ من الليل كي لا يصل الليل الحقيقي إليه.
وكانت النار في جوفها تأكل الحطب.
لكن الحطب لم يكن حطباً.
كان أياماً ميتة.
كل قطعةٍ تسقط في النار كانت يوماً من أيام القرية؛ يوماً لامرأةٍ انتظرت، يوماً لرجلٍ غاب، يوماً لطفلٍ كبر قبل أن يعرف كيف يكبر.
وكانت النار تلتهم الأيام واحدةً واحدة.
ولا تشبع.
لن تشبع النار من الزمن.
فالزمن، إذا دخل النار، لا يحترق.
يتحوّل إلى رمادٍ يعرف أسماءنا.
وبالقرب منها، في طستٍ صغير، كان دوران.
طفلٌ كأن العالم لم يضع توقيعه عليه بعد.
كان جسده الصغير يرتجف تحت يدي أمه، لا من البرد وحده، بل من ذلك الشيء الذي لا اسم له، الشيء الذي يسكن الطفولة قبل أن تمنحها الحياة قاموسها الأول للخوف.
كانت بَسي تغسله.
وكان الماء يتساقط من يديها.
قطرة.
ثم قطرة.
ثم قطرة.
لكن الماء لم يكن ماءً.
كان زمناً سائلاً.
كل قطرةٍ تسقط من جسد دوران كانت تحمل معها احتمالاً من احتمالات الغد.
قطرةٌ للمدرسة.
قطرةٌ للطريق.
قطرةٌ ليدٍ ستكبر.
قطرةٌ لوجهٍ سيعرف يوماً أسماء الذين لم يعودوا.
قطرةٌ لحدودٍ ستظل واقفةً هناك، حتى عندما يكبر الطفل ويصبح أطول من ذاكرته.
وكانت بَسي، دون أن تعرف، تحاول أن تغسل من جسده المستقبل قبل أن يصل.
تفرك كتفه الصغير.
فإذا بالكتف يتحول في عينيها إلى عتبةٍ بين عالمين.
عالمٌ لم يعرفه الطفل بعد.
وعالمٌ تعرفه الأم أكثر مما ينبغي.
تمسح شعره.
فيبدو شعره مثل ليلٍ صغير خرج للتو من رحم الليل الكبير.
تغسل وجهه.
فتشعر، للحظة، أنها لا تغسل وجه طفل، بل تغسل مرآةً لم تُخلق بعد.
مرآةً سيأتي إليها العالم ذات يوم، وينظر فيها، ثم يتفاجأ بأنه هو الذي يكبر على وجه دوران.
أما يداها…
فلم تكونا يدي امرأة.
كانتا جناحين منزوعَي الريش يحاولان تغطية طفلٍ من سماءٍ أكبر من جناحيهما.
كانت أصابعها تمر فوق جلده كما تمر الجذور في التراب بحثاً عن ماءٍ لا تعرف إن كان موجوداً.
وكان دوران يمد يديه نحوها.
يا لهاتين اليدين.
يدين صغيرتين إلى الحد الذي يجعل العالم يبدو فجأةً ضخماً ومخيفا.
يدين لم تعرفا بعدُ معنى الحدود.
لم تعرفا معنى الخرائط.
لم تعرفا لماذا يكون للتراب أسماءٌ متعددة، ولماذا تستطيع خطوطٌ غير مرئية أن تجعل الإنسان قريباً من أخيه وبعيداً عنه في اللحظة نفسها.
أمسك يد أمه.
فانحنى العالم.
نعم، انحنى العالم قليلاً.
كأن الجبال البعيدة خلعت أحذيتها.
كأن الحدود وضعت سكينها جانباً.
كأن السماء، التي كانت طوال الليل حجراً، تذكرت فجأةً أنها كانت ماءً في البدء.
في تلك اللحظة، لم تعد بَسي أماً.
صارت حدّاً بشرياً.
الشيء الوحيد الذي يقف بين جسد طفل وبين فم الشتاء.
وصار دوران وطناً صغيراً.
وطناً لا يحتاج إلى علم.
ولا إلى نشيد.
ولا إلى جندي.
يكفيه أن تكون هناك يدٌ تمسك يده.
وكان البيت كله قد دخل في هذه المعادلة الغامضة.
الجدار المتشقق كان جلدا عجوزاً للأرض.
السجاد كان خريطةً نسجتها أقدام الغائبين.
الوسائد كانت احجاراً طريةً نامت عليها ظهور المنهكين.
والوعاء المعدني القابع إلى جانب الطست كان قمراً ساقطا من سماء المطبخ.
حتى الصورة المعلقة على الجدار لم تعد صورة.
كانت نافذةً مغلقة على زمنٍ لا يملك مفتاحه أحد.
امرأةٌ داخل إطارٍ تنظر إلى الغرفة.
تراقب.
تنتظر.
وربما كانت تعرف أن الصور لا تُعلّق على الجدران.
الصور هي التي تعلّق الجدران بنا.
خارج البيت، كانت سيسك تستلقي تحت الليل مثل حبة قمح بين فكي قدرٍ هائل.
الحقول نائمة.
الأشجار عارية.
والريح تمشط شعر الأرض بمشطٍ من زجاج.
أما الحدود، فكانت هناك.
لا كخط.
بل كـ ندبةٍ طولها بلد.
ندبةٌ لا تنزف دماً، بل تنزف أسماء.
كل اسمٍ يسقط منها يصير حجراً.
كل حجرٍ يصير بيتا.
كل بيتٍ يصير ذاكرة.
وكل ذاكرةٍ تصير طفلاً آخر يحتاج إلى أمٍّ تغسله من غبار العالم.
لهذا كانت بَسي تغسل دوران.
ليس لأنه اتّسخ.
بل لأن العالم، في الخارج، كان متسخا أكثر مما ينبغي.
كانت تغسل عنه أصابع الحرب التي لم تلمسه.
غبار الطرق التي لم يمشها.
رائحة الأبواب التي لم يفتحها.
ظلال الرجال الذين لم يرهم.
وتغسل، ربما، شيئًا أخطر:
الذاكرة التي ستأتي إليه ذات يوم دون أن تستأذنه.
كانت تريد أن تترك جلده أبيض من المستقبل.
لكن المستقبل لا يُغسل.
المستقبل حبرٌ يكتب نفسه تحت الجلد.
وكلما حاولت الأم محوه، كتب سطراً أعمق.
ثم ابتسم دوران.
ابتسامة صغيرة.
صغيرة جدا.
لكنها لم تكن ابتسامة.
كانت ثقباً في جدار الكون.
ومن ذلك الثقب خرج نهارٌ لم يكن في حساب الشمس.
نهارٌ بحجم فم طفل.
بحجم يد أم.
بحجم بيتٍ فقير يرفض أن ينهار.
وبدا أن المدفأة نفسها، تلك الأسطوانة السوداء التي كانت تبتلع الأيام، قد توقفت لحظةً عن أكل الزمن.
النار حدّقت في الطفل.
والطفل حدّق في أمه.
والأم حدّقت في النار.
ثلاثة كائناتٍ صغيرة في غرفةٍ واحدة، تتواطأ على سرٍّ أقدم من الخرائط:
أن الإنسان لا ينجو من الشتاء لأنه أقوى منه؛
ينجو لأن هناك من يضع كفّه فوق كتفه، ويقول له دون كلام:
أنا هنا.
وفي سيسك، عند الحافة التي ينتهي عندها التراب ويبدأ السؤال، كان ذلك كافياً.
كافياً لأن تبقى النار.
كافياً لأن يبقى الطفل.
كافياً لأن تبقى الأم.
وكافيا لأن يعرف الليل، ولو لليلةٍ واحدة، أن لهزيمته أحياناً اسماً بسيطاً جدا:
بَسي.
التعليقات مغلقة.