عبدالوهاب بيراني
تمثل تجربة الشاعر الكردي سيداي تيريج (ملا نايف حسو) علامة فارقةً في مسار الشعر الكردي الكلاسيكي المعاصر، إذ تشكل أعماله امتداداً عضوياً لمشروع شعري تأسس على يد معلمه وصديقه الشاعر الخالد جكرخوين، فجاء تيريج التلميذ النجيب الذي أضاف إلى المدرسة الكلاسيكية عمقاً موضوعياً وامتداداً جغرافياً وتاريخياً جعلا من شعره سجلاً شعرياً للذات الكردية في مرحلة دقيقة من النضال الثقافي والوطني، فقد أدرك تيريج منذ بداياته أن الشعر الكردي في منتصف القرن العشرين كان بحاجة إلى تثبيت أقدامه على أرض اللغة الكرمانجية، في وقت كانت فيه السياسة تحارب الوجود الكردي لغوياً وثقافياً، فاختار أن يكون شعره صخرةً صلبةً تقاوم النسيان، وأن يكون وزنه الشعري وقافيته المتينة سوراً يحمي القصيدة من الانصهار في نثر عادي، كما صرح بذلك في أكثر من موقف رافضاً ما أسماه “النثر الممجوج” الذي لا يستحق وصف الشعر حسب تعبيره، وهذه المعركة مع الحداثة الشعرية لم تكن في سياقه رد فعل انغلاقياً بقدر ما كانت وعياً بخصوصية البنية الشعرية الكردية التي تحتاج – في رأيه – إلى الحفاظ على إيقاعها الداخلي الذي يلتحم بطبيعة اللغة وموسيقاها الداخلية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا لو أن تيريج – وهو الذي امتلك ناصية اللغة، وتمكن من الأدوات الشعرية الكلاسيكية أتم تمكن، وأثبت قدرة استثنائية على المناولة الفنية والموسيقى الداخلية – استخدم تلك المهارات الفائقة في كتابة الشعر الكردي الجديد، متخلصاً من الوزن والقافية التقليدية؟ ألم يكن سيصبح، بكل تأكيد، علامةً بارزة ورائداً من شعراء الكورد المجددين على مستوى المبنى والمعنى معاً؟ فقد توافرت لديه من المقومات ما كان يمكن أن يجعله مؤسساً لمدرسة مغايرة، تختلف عن أسلوب جكرخوين، لا قطيعة معه بل استكمالاً وتجديداً، إذ كان يمتلك من الحس الجمالي والمعرفة العميقة بالتراث واللغة ما يؤهله لأن يحدث تحولاً نوعياً في القصيدة الكردية، يحافظ فيه على روح الوزن دون قيوده، ويجدد في المعنى دون أن يفقد عمقه الفلسفي وجمالية الشعر، غير أن خياره الثابت بالالتزام بالكلاسيكية، والذي فهمناه في سياقه التاريخي والنضالي، ظل حبيساً في مرحلة ضرورات التأسيس والحماية، تاركاً للأجيال اللاحقة مهمة اجتياز تلك المرحلة نحو آفاق حداثية لم يعش هو لحظة الامتحان فيها، رغم معارضته الصريحة بذلك.
يمثل التأسيس الجغرافي بعداً جوهرياً في شعر تيريج، حتى بات القارئ أمام ما يشبه خريطةً شعريةً لكردستان تمتد من عامودا إلى ماردين، ومن جودي إلى شهروز، مروراً بآمد وسنندج ومهاباد وأربيل. وهذا الاجتياح الشعري للمكان ليس مجرد تعداد لأسماء المدن والجبال، بل هو إعادة تخيل للوطن عبر استدعاء ذاكرته الأسطورية والتاريخية، فجبل جودي ليس ارتفاعاً صخرياً في جغرافيا كوردستان، بل هو موضع سفينة نوح ورمز البدايات، ورمز رفعة وعراقة الشعب الكردي.
كما كانت المرأة الكردية في قصائده غالباً ما تختلط صورتها بصورة الأرض، فتغدو رمزاً للوطن المنتظر والجمال المعذَّب. وقد أسهمت التربية الدينية المبكرة التي تلقاها تيريج في تشكيل وعيه اللغوي والبلاغي، لكنها لم تحوله إلى شاعر واعظ فقط، بل استفاد منها في صقل أدواته التعبيرية، في حين كانت علاقته بجكرخوين وانفتاحه على النخب المثقفة والسياسية هي التي منحت تجربته بعدها الثوري والإنساني الواسع.
يتميز شعر تيريج بقدرته الفائقة على تحويل الحكاية الشعبية والأسطورة إلى بنيةٍ شعريةٍ متكاملة، كما فعل في توثيقه لقصة “سيامند وخجي” في 335 بيتاً شعرياً، وفي روايته لقصة “سيبان وبروين” على غرار “مم وزين” للشاعر الكردي الخالد احمدي خاني، مما جعله حافظاً للموروث السردي الكردي من الضياع. لم يكتفِ بنظم الحكايات، بل امتدت عنايته إلى جمع الطرائف والنوادر الكردية وتدوينها نثراً، فخرجت أعماله بهذا المزيج الفريد من الشعر الحكائي والنثر التراثي، ليكوّن بذلك موسوعةً شعبيةً تحفظ أنماط التفكير والفكاهة والحكمة الكردية، هذا الاهتمام بالمرويات الشعبية يتوازى مع نزعةٍ صوفيةٍ رومانسيةٍ تتجلى في قصائده الغزلية التي تصعد بالمرأة من الجسد إلى الرمز، ومن العشق الأرضي إلى العشق الإلهي، متأثراً في ذلك بشعراء التصوف الكردي أمثال الجزيري وخاني، ومقترباً أحياناً من أسلوب فقي تيران في جعل الحيوان والطير ألسنةً تنطق بالوجد الإنساني، كما في رسالته إلى البلبل الحزين التي تحولت إلى أغنية خالدةٍ في الذاكرة الغنائية الكردية.
أما على المستوى الفني، فقد أتقن تيريج صنعة الوزن والقافية، ووسّع قاموسه اللغوي عبر قراءات عميقة في تراث الشعراء السابقين، فجاءت لغته جزلةً مترعةً بالصور البلاغية المستمدة من الطبيعة والجغرافيا. غير أن هذه الكلاسيكية المتقنة لم تكن جامدة، فقد لجأ إلى رواية القصص داخل القصيدة مطولاً، مما خلق نوعاً من التوتر الخلاق بين البنية الشعرية التقليدية والحاجة السردية المتدفقة، فكانت مطولاته الشعرية بمثابة ملاحمَ صغيرةٍ تروي حكايات شعب بأكمله، ومع أن تيريج رفض الشعر الحر نظرياً، فإن بعض قصائده تحمل إيحاءاتٍ حداثيةٍ في تركيب الصورة وتشابك الرموز، مما جعل تأثيره يمتد إلى ما بعد جيله، حتى صار شعره مادةً خصبةً للتلحين والغناء، إذ استطاعت ألحان محمد شيخو وشفان برور وغيرهما أن تحمل نصوصه إلى أوسع جمهور، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الموسيقى الكامنة في شعره كانت عضويةً حيةً قادرة على تجاوز حدود الصفحة المطبوعة.
في مجمل تجربته، يبدو تيريج شاعراً موسوعياً بامتياز، تغلغلت قصائده في كل جانب من جوانب الحياة.. من الوطنية إلى الغزل، ومن الحكمة إلى الرثاء، ومن وصف الطبيعة إلى استدعاء التاريخ، حتى يمكن القول إن ديوانه يشكل مختبراً كاملاً للشعر الكردي الكلاسيكي في مرحلة نضجه الأخير. ترك تيريج دواوينه الثلاثة “زوزان” و”خلات” و”جودي” التي تحمل أسماء جبال كردستان الشامخة، وكأنه أراد أن يكون شعره شامخاً مثلها، إضافة إلى أعماله النثرية في الطرائف والمولد النبوي بالكردية.
رحيله في شهر آذار عام 2002، ذلك الشهر الذي يحمل في الذاكرة الكردية متناقضات النصر والمأساة، جاء متوافقاً مع طبيعة شعره الذي عاش متناقضات الحلم والألم، فوارى الثرى في قرية “كر كفتار” حسب وصيته، تاركاً إرثاً من الكلمات، ولا يزال البلبل الحزين يردده، والأرض الكردية تذكر أن من بين أبنائها من جعل الشعر هويةً ثانيةً لا تقل رسوخاً عن الجبال.
التعليقات مغلقة.