بنية قوة جديدة في معادلة سوريا وإيران
مقالـ للكاتب والباحث التركي: دوغو ارگيل
الترجمة: الكاتب باقي حمزة
بدون حلّ القضية الكردية، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة المؤسسية، يصعب على تركيا، من الناحية الهيكلية، أن تضطلع بدور “قوة التوازن”. لذا، لا يمكن النظر إلى خيارات السياسة الخارجية بمعزل عن الحاجة إلى الإصلاح الداخلي؛ بل هي امتداد مباشر له. وتنتظر تركيا إصلاحات جوهرية.
كثيراً ما يُوصف ما يحدث في الشرق الأوسط بأنه “أزمة”. إلا أن الوضع الراهن في سوريا وإيران لا يشير إلى أزمة مؤقتة، بل إلى إعادة هيكلة دائمة. ويكمن جوهر هذه إعادة الهيكلة في تآكل سيادة الدولة التقليدية واستبدالها ببنية سلطة متعددة المستويات قائمة على “شبكة من العلاقات”. لم تعد الحروب تُخاض في ساحات المعارك، بل تُدار عبر التخطيط اللوجستي، وشبكات الميليشيات، وتدفق البيانات، وإدارة الرأي العام.
إن أبرز مظاهر هذا التحول هو الصراع المستمر، وإن لم يُعلن عنه رسميًا، بين إسرائيل وإيران على الأراضي السورية. تهدف العمليات الجوية الإسرائيلية الممنهجة إلى تقويض النفوذ الإقليمي الإيراني، بينما تحاول إيران، بدلًا من الرد المباشر، موازنة ذلك عبر قوات بالوكالة وأساليب غير متكافئة. وهذا يُظهر تحولًا من الردع التقليدي إلى “استراتيجية استنزاف مستدام”.
يُعدّ نهج إيران جديرًا بالملاحظة بشكل خاص: فبينما يبدو أن طهران تُقلّص وجودها العسكري، إلا أنها في الواقع تُغيّره. فمن خلال حزب الله، والميليشيات الشيعية في العراق، والشبكات السياسية والميليشيات المحلية داخل سوريا، تُنشئ إيران مجال نفوذ لا مركزي ولكنه شديد المرونة. يُمثّل هذا النموذج المعيار الجديد للجيوسياسة الحديثة: إنشاء مجالات نفوذ بدلًا من السيطرة على الأراضي.
ثلاثة نماذج استراتيجية مستقبلية لتركيا
في ضوء هذه التطورات، عندما ننظر إلى تركيا، لا يكمن السؤال في كيفية استجابة أنقرة للتهديدات، بل في أي مستقبل استراتيجي ستختاره. الخيارات المتاحة هي كالتالي:
توطيد استخدام القوة الصلبة: تعميق الدولة الأمنية
في هذا السيناريو، تعتبر تركيا التطورات على حدودها الجنوبية تهديداً وجودياً، وتقوم بتوسيع وتعزيز قدراتها العسكرية بطريقة تمنع ما تعتبره “التهديد الكردي”.
وهي تحافظ على وجود عسكري طويل الأمد في شمال سوريا.
وهي تمارس باستمرار ضغوطاً عملياتية على وحدات حماية الشعب الكردية، وتصر على منع تشكيل أي كيان سياسي محتمل في المنطقة.
تحافظ على علاقة بعيدة وباردة مع إيران وإسرائيل، وخاصة في سوريا والشرق الأوسط بشكل عام.
يُحقق هذا النموذج الأمن على المدى القصير، إلا أنه على المدى الطويل يُوقع تركيا في دوامة من الصراعات المستمرة منخفضة الحدة. وتزداد التكاليف الاقتصادية، وتقلّ المرونة الدبلوماسية.
قوة الاستقرار الإقليمي: الدبلوماسية متعددة المستويات
في هذا النموذج، لا تتخلى تركيا تماماً عن الوسائل العسكرية؛ بل تدمجها في مناوراتها الدبلوماسية.
الخيارات المتاحة في هذا النموذج هي:
المنافسة مع إيران + تعاون محدود؛
علاقة مضبوطة مع إسرائيل، تؤدي في النهاية إلى التطبيع؛
موازنة دقيقة بين الولايات المتحدة وروسيا…
قد يُحوّل هذا النهج تركيا من لاعبٍ إلى مُوازن. إلا أن هذا الخيار يتطلب قدرات دبلوماسية عالية واستقراراً سياسياً داخلياً. ومن الصعب على دولة عاجزة عن حلّ “القضية الكردية” وضعفها الاقتصادي الذي بلغ حدّ الأزمة، أن تُنمّي هذه القدرات.
الانعطاف نحو الداخل والانكماش الاستراتيجي
في هذا السياق، تحدّ تركيا من طموحاتها الإقليمية لتقليل تكاليف التدخل الخارجي. وتقلل من وجودها العسكري في سوريا والعراق. وتحدّ من المخاطر الأمنية. وتركز على إعادة بناء اقتصادها الداخلي.
يوفر هذا الخيار راحة قصيرة الأجل؛ ومع ذلك، على المدى المتوسط، سيجبر تركيا على تعليق طموحاتها الخارجية ورغبتها في اكتساب النفوذ في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
الواقع الدولي الجديد: تفتت السيادة
إن أهم نتائج الصراع السوري الإيراني هي أن مفهوم السيادة لم يعد مفهوماً أحادياً ومطلقاً. فداخل حدود الدولة:
المناطق ذات الحكم الذاتي؛
مناطق نفوذ قوات الميليشيات؛
الوحدات العسكرية التابعة لقوى أجنبية؛
يمكن للشركات وشبكات الاستخبارات أن تكون فعالة في آن واحد. ومن الواضح أن هذا يتحدى الافتراضات الأساسية للنظام الدولي الحديث فيما يتعلق بالسيادة الوطنية.
الخلاصة: لحظة حاسمة لتركيا
إن السؤال الذي يواجه تركيا وغيرها من القوى المتوسطة الحجم اليوم بسيط ولكنه حاسم:
في هذا النظام الجديد المضطرب، هل ستكون القوى المتوسطة مجرد مستهلكة للأمن، أم ستتاح لها الفرصة لتصبح جهات فاعلة في تشكيل النظام؟
ما يحدث في سوريا وإيران سيحدد أيضاً نوع الدولة التي ستكون عليها تركيا. وتعتمد المسألة على تغير مفهوم الحدود وعلى هذه النقاط الأساسية الثلاث:
يُعدّ البُعد التكنولوجي أهمّ سمات بنية القوة العالمية والإقليمية الجديدة. ففي الساحة السورية الإيرانية، لم يعد التفوق العسكري يُقاس فقط بعدد الدبابات أو الطائرات أو الجنود؛ بل أصبحت قدرة معالجة البيانات وفعالية الاستخبارات عاملين حاسمين بنفس القدر.
لا يعتمد نجاح إسرائيل العملياتي على القوة الجوية فحسب، بل يعتمد أيضاً على تدفق البيانات في الوقت الفعلي، والاستهداف المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة الضربات عالية الدقة. وترد إيران باستخدام التكنولوجيا على نطاق أوسع وبتكلفة أقل: طائرات الكاميكازي المسيّرة، وقدرات هجومية منخفضة الكثافة ولكنها مستدامة، وشبكات اتصالات مرنة. ويتعين على تركيا التكيف مع هذه التطورات ليس فقط من خلال وجودها العسكري، بل أيضاً من خلال التقدم الذي أحرزته في تقنيات الدفاع، ومدى قدرتها على بناء قدرات معلوماتية متكاملة.
المحور الثاني الحاسم هو الاقتصاد. في هذا النوع الجديد من الحروب، تُعطى الأولوية لقدرة الاستدامة على حساب تكاليف الحرب المباشرة. وقد مكّنت إيران من الصمود رغم العقوبات بفضل مرونتها الاقتصادية وآلياتها المالية البديلة التي أُنشئت عبر شبكات غير رسمية. في المقابل، فإن هشاشة البنية الاقتصادية الكلية لتركيا تجعل الانخراط الخارجي طويل الأمد مكلفاً.
حتى الحرب متوسطة المدى تبدو غير مستدامة في ظل التضخم المرتفع وضغوط العملة. لذا، يجب النظر في الخيارات الاستراتيجية لتركيا ليس فقط من منظور الأمن، بل أيضاً بالتزامن مع الانضباط المالي، والقدرة الإنتاجية، وهيكل التجارة الخارجية. وإلا، فقد يصبح النشاط الجيوسياسي عاملاً يُسرّع من التدهور الاقتصادي.
وأخيرًا، العامل الحاسم هو القدرة على التكامل السياسي الداخلي. فالدول القادرة على انتهاج سياسة خارجية متعددة المستويات لا تستطيع تحقيق ذلك إلا بقدر ما تضمن العقلانية المؤسسية والتضامن داخليًا، أي من خلال الشرعية الاجتماعية.
في تركيا اليوم، ورغم أن عملية صنع القرار المركزية (التي أدخلها النظام الرئاسي) توفر سرعة في المدى القصير، إلا أنها تحد من المرونة الاستراتيجية في المدى الطويل. ومع ذلك، تتطلب التطورات على طول المحور السوري الإيراني كفاءة مؤسسية ومرونة، وتنسيقًا بين جهات فاعلة متعددة، وقدرة على استشراف المستقبل، بدلاً من ردود الفعل السريعة.
بدون حل القضية الكردية، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة المؤسسية، من الصعب هيكلياً على تركيا أن تلعب دور “قوة التوازن”.
لذا، لا يمكن النظر إلى خيارات السياسة الخارجية بمعزل عن الحاجة إلى الإصلاح الداخلي؛ بل على العكس، فهي امتداد مباشر له. وتنتظر تركيا إصلاحات جوهرية.
والسؤال هو: هل هناك كوادر سياسية مستعدة لتنفيذ هذه الإصلاحات، وهل هناك أغلبية من الناخبين لدعمها ؟
التعليقات مغلقة.