جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟

10

أكرم حسين

مرت سوريا بظروف سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة وجد الإنسان السوري نفسه في ظلها أمام تحدي التوفيق بين هوياته المتعددة. فهوية الإنسان السوري ليست لحظة ثابتة، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل، تشكل عبر تفاعل، وأحياناً تصادم، بين الانتماء الوطني الجامع والانتماءات الفرعية العميقة كالقومية والعرق والدين والطائفة. لفهم الصراع الهوياتي الراهن، لا بد من استعراض تطور تعامل الدولة السورية مع واقع التعدد منذ نشأته، وصولاً إلى اللحظة المعقدة الراهنة، مع إيلاء اهتمام خاص لأبرز تجليات هذا الإشكال: القضية الكردية.

لقد نشأت الدولة السورية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، التي ادارت مناطقها بناءً على الانتماءات الدينية والطائفية (نظام الملل). ثم جاءت النخبة الوطنية التي قادت مرحلة ما بعد الاستقلال، والمؤثرة بالفكر القومي العربي ، بمشروع وطني هدف إلى بناء هوية موحدة. كان شعار هذه المرحلة هو “صهر” المكونات في بوتقة العروبة. حيث رُوج لمفهوم أن “السوري هو العربي السوري”، مع تجاهل أو تهميش واضح للهويات غير العربية ، ولكل أشكال التعددية . تم تبني خطاب قومي عروبي أحادي، رُفع كأيديولوجية دولة، مما خلق تناقضاً أساسياً مع الواقع الاجتماعي المتعدد. لم تكن المشكلة في التأكيد على العروبة كأحد مكونات الهوية، بل في تحويلها إلى المكون الوحيد المعترف به رسمياً، مما جعل السوريين من أصول غير عربية، وخاصة الكرد ، أمام خيارين أحلامها مر : إما القبول بالذوبان القسري في هذه الهوية الأحادية، أو العيش على هامش الدولة والمجتمع.

تعد المسألة الكردية النافذة الأوضح لفهم سياسات الإقصاء التي انتهجتها الدولة السورية . فبعد فترة وجيزة من الاستقلال، بدأت ملامح سياسة منهجية تجاه القومية الكردية (والتي تشكل حوالي 1٥-٢٠% من السكان) تتبلور. وقد تجلت هذه السياسة في عدة مستويات:

  1. الحرمان من الجنسية (قانون الإحصاء الاستثنائي 1962): كان هذا القانون بمثابة الضربة الأكثر قسوة، حيث جرد عشرات الآلاف من الكرد في محافظة الحسكة من الجنسية السورية، محولاً إياهم إلى “أجانب” أو “مكتومين” في وطنهم. لم يكن هذا إجراءً إدارياً عادياً، بل كان أداة سياسية هدفت إلى تغيير الديموغرافيا والتقليل من الثقل العددي للكرد، وقطع صلتهم القانونية بالوطن.
  2. الحرب على الهوية الثقافية: شنت السلطات حملة منهجية ضد مظاهر الهوية الكردية. تم منع التحدث والتدريس والنشر باللغة الكردية، وحظر الأسماء الكردية للمواليد الجدد، وتغيير أسماء القرى والمدن والأنهار والمواقع الجغرافية من كردية إلى عربية ، و الهدف كان فصل الإنسان الكردي عن ذاكرته الجغرافية والتاريخية والثقافية.
  3. التهميش الاقتصادي والتمييز: تم تهميش المناطق الكردية في خطط التنمية، مما أدى إلى تكريس التخلف الاقتصادي والبطالة. كما وُضعت عقبات أمام تملك الكرد للأراضي في مناطقهم، ضمن سياسة “الحزام العربي” التي هدفت إلى تغيير التركيبة السكانية للأرياف المحيطة بالمدن الكردية.

لم تكن هذه السياسات مجرد أخطاء ، بل كانت جزءاً من رؤية أمنية شاملة تنظر إلى أي اختلاف هوياتي على أنه تهديد محتمل لوحدة الدولة وسلطة النظام الأسدية .

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963،وتكريس سلطة النظام الأسدي لاحقاً، لم يتم التخلي عن النموذج العروبي الأحادي، ولكن تمت إدارته بطريقة أكثر دهاء. تحولت سياسة “الصهر” القسري إلى سياسة “الإدارة الذكية” للتنوع عبر آليات أمنية. استُخدم التعدد الطائفي والقومي كورقة للسيطرة والتفريق، ضمن استراتيجية “فرق تسد”. تم تعزيز ولاءات فئوية ضيقة (طائفية، عشائرية، مناطقية) فوق الانتماء الوطني، وربطها بنظام المحسوبيات والامتيازات. في هذا الإطار، بقيت الهوية الكردية “المسألة الساخنة” الأكثر خطورة، لأنها كانت الأكثر تجانساً ووعياً بحقوقها الجماعية ، وهكذا تعاملت السلطات معها بقمع صريح عند محاولة المطالبة بالحقوق (كما في انتفاضة القامشلي 2004)، أو بإهمال مقصود. في المقابل، تم استيعاب أو استغلال انتماءات أخرى في لعبة موازين القوى الداخلية للنظام.

أظهرت الثورة السورية ثم الحرب المدمرة هشاشة النموذج الوطني القائم على الإقصاء والمركزية المطلقة .انفجرت الهويات الفرعية المكبوتة بقوة، وغالباً ما اتخذت شكلاً دفاعياً أو صراعياً. تحولت سوريا إلى ساحة لصراع هوياتي مركب، تمت إذكاؤه من قبل أطراف داخلية وإقليمية ودولية. في هذا المشهد، برزت القضية الكردية بقوة مع قيام “الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا”، مقدمةً نموذجاً عملياً مختلفاً لإدارة التعدد والاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للشعب الكردي وسائر المكونات ، وإن كان ضمن ظروف بالغة التعقيد إقليمياً ودولياً. هذا المشروع، رغم جميع الجدل حوله، مثّل رفضاً صارخاً لعقود من التهميش وطرحاً بديلاً لفكرة الدولة المركزية الأحادية.

أثبتت التجربة السورية أن قمع الهويات أو تهميشها لا يؤدي إلى الوحدة، بل إلى التمزق والانفجار. لقد فشل النموذج القائم على العروبة الأحادية والإدارة الأمنية للتنوع فشلاً ذريعاً. الوحدة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على محو الخصوصيات، بل على الاعتراف بها دستورياً ومجتمعياً ،عبر عقد اجتماعي جديد يقوم على :

  • المواطنة المتساوية باعتبارها الرابطة الأساسية بين الفرد والدولة، التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات بغض النظر عن القومية أو الدين أو الطائفة.
  • الاعتراف الدستوري والقانوني بالتعدد كحقيقة ثابتة وكمصدر غنى للنسيج الوطني. يشمل ذلك الاعتراف بالهوية الوطنية الكردية، ومنحها الحقوق السياسية والثقافية والإدارية ضمن وحدة الأرض السورية وفي هذا الاتجاه يمكن قراءة المرسوم رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦ كخطوة أولى يجب البناء عليه للوصول إلى حل القضية الكردية بشكل نهائي .
  • تطبيق العدالة الانتقالية عبر معالجة إرث المظالم التاريخية، بدءاً من إعادة الجنسية للمحرومين منها، والاعتذار الرسمي عن سياسات التمييز.
  • إعادة بناء مفهوم الهوية السورية ليس كهوية أحادية، بل كهوية جامعة مركبة، تكون فيها “السورية” إطاراً جامعاً يحتضن العروبة والكردية والسريانية والشركسية والإسلام والمسيحية والإيزيدية وغيرها، في حالة تعايش وتكامل.

إن مستقبل سوريا مرهون بقدرة نسيجها الاجتماعي الممزق على خياطة جراحه. وهذا لن يتم إلا بالشجاعة للاعتراف بأخطاء الماضي، وبالجرأة لتصور مستقبل لا يكون فيه السوري مضطراً للاختيار بين انتماءاته، بل يمكنه أن يفتخر بها جميعاً تحت سقف وطن يتسع للجميع.

 

التعليقات مغلقة.