الصداع التركي بين صراع المصالح وحدود النفوذ

17

حسن جنكو  

 تركيا التي دعمت المتطرفين لضرب الكرد، وإنهاء القضية الكردية في سوريا تشعر بالمرارة والصداع أمام انتصارات الكرد في مواجهة التطرف ومحاربة الإرهاب خلال سنوات الأزمة السورية وتمدُّد داعش في المنطقة، لاسيما شعورها بواقع يتبلور على حدودها الجنوبية مع سوريا، بعد أن شعرت بأنها باتت تخسر الرهان لوأد حلم الكرد في سوريا، خاصة وأن المؤشرات والاصطفافات على الصعيدين الإقليمي والدولي توحي بأن تركيا باتت محاصرة من الداخل والخارج ، بعد إنذار إسرائيل لها من أي تواجد عسكري لها في سوريا وحرمانها من الترتيبات المرتقبة في المنطقة، كذلك شعورها بانحسار دورها في البحرين الأسود والمتوسط بعد فقدانها وثيقة حسن السلوك عند بوتين وحلف شمال الأطلسي، وحرمانها من مصادر الطاقة في شرق المتوسط، أمام تشكُّل الحلف الثلاثي اليوناني- القبرصي- الإسرائيلي ، ليتراجع دورها من لاعب أساسي ذات أطماع توسعية في الإقليم إلى كيان يسعى لحماية حدوده ، بعد أن اتضحت أمامها معالم هندسة قاسية للصراع الخطير في المنطقة، يحرمها ليس من مصادر الطاقة والغاز، وربما حرمانها من الاستثمار أيضا لتتحول من دولة وظيفية لدى الحلف الأطلسي إلى عبء جيو سياسي أيضا في نظر الغرب لاسيما بعد التحالف الثلاثي المذكور الذي يمنح اليونان سياسيا و قانونيا شريكا أكثر استقرارا، وانسجاما مع أولويات أمريكا بعد اكتشاف أكثر من ١٢٠ تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج في شرق المتوسط لتصبح اليونان مستقبلا ثالث منتج للغاز في أوروبا، ما فرض التوسع الأمريكي في القواعد اليونانية، وتراجع مكانة تركيا نسبيا من الحسابات الأمريكية مستقبلا.

 هذه التحولات تفسر الجولات المكوكية لوزير الخارجية التركي، وغيره من المسؤولين الأتراك إلى دمشق، للتأثير على السلطة الانتقالية في دمشق لمنعها من إبرام أوتنفيذ أي اتفاق مع قسد لا يتوافق مع سياساتها وأطماعها التوسعية في سوريا، وبالتالي البحث عن فرصة يمكّنها من لعب دور مؤثر في الجغرافية السورية، من خلال حليفتها المتمثلة في السلطة المؤقتة، ما يظهر للعلن نواياها بإفشال الاتفاق العاشر من آذار الماضي المبرم بين الرئيس المؤقت الشرع والجنرال مظلوم عبدي، وخلق عداوة بين الكرد والعرب من خلال إشعال فتيل حرب بين السوريين، قد يمنحها فرصة للتدخل والحصول على امتيازات في سوريا قد يكون الاستيلاء على مدينة حلب واعتبارها مدينة تركية حسب الميثاق الملي إحدى تلك الامتيازات، وقد صرح بهذه الرغبة أكثر من مسؤول تركي عقب فرار الأسد واستيلاء الحكومة المؤقتة على حلب كتعويض عن حرمانها من امتيازات شرق المتوسط الأمر الذي يفسر متابعتها وإدارتها من خلف الستار إنجاح اتفاق باريس بين سوريا وإسرائيل للتأثير على مجريات الأحداث في حلب برضا إسرائيلي أمريكي أوربي لفرض واقع جديد طالما باتت الجغرافية السورية محطة لأنظار الغزاة والطامعين، الأمر الذي يفسر حجم التجييش والتحشيد وخلق الفتن لنسف ما تبقى من ركائز السلم الأهلي والعيش المشترك في سوريا وإشغال السوريين بأوجاعهم، وإبعادهم عن الخطر الحقيقي الذي يداهم البلاد والعباد، أدوات تنفيذ الجريمة وحوش بشرية تمّ استقطابهم  من أصقاع الأرض في تركيب معادلة مريبة، بحيث باتت سورية جثة تنهشها ذئاب من الداخل والخارج، قد يدرك حجم الكارثة بعض الدهماء من السوريين لكن بعد فوات الأوان.

التعليقات مغلقة.