إشكالية التدريس باللغة الكردية في روجآڤاي كردستان

439

د. سعدالدين ملا

 

اللغة ليست وسيلة للتواصل فقط، إنما هي روح الشعوب وتجسيد لهويتها ووجودها المادي والمعنوي، وهي بما تجسده من تراث وثقافة الآباء والأجداد ونظرتهم للذات وللعالم وبما تحمله من شعور وفلسفة وتاريخ وفكر إنما تميز مدارك عالم مالكها.

 

 كما أن فناء أية لغة هي خسارة للتراث الإنساني وإبادة لجزء من الخبرة البشرية تشبه جرائم القاعدة وداعش بحق حياة الإنسان وآثاره التاريخية، واللغة الكردية بعراقتها وغناها وجمالها تواجه اليوم تحدي خطر الاندثار (باستثناء كردستان العراق) ومعها الهوية القومية بسبب افتقاد الشعب الكردي لوسائل التصدي للحروب الموجّهة باستمرار ضد اللغة الكردية وحامليها ولعوامل الانصهار المختلفة وسبل الاضطهاد القومي والضغوطات الثقافية والمعاشية المستفحلة باضطراد بأهميتها لوجود الشعب الكردي فليس مبالغة القول أن الزود عن اللغة هو من أولويات الحفاظ على الأمن القومي الكردي وأهم من ينتظر رحمة الأنظمة المقسمة لكردستان الاعتراف باللغة الكردية من تلقاء نفسها، وبدون جهود وتضحيات ذاتية، بل يخدع نفسه ويخدّر شعبه.

 

من هذا المنطلق تُعتبر خطوة الإدارة الذاتية في التدريس باللغة الكردية في جنوب غربي كردستان قراراً صائباً ومصيرياً بالرغم من ظروف الحرب والحصار ورغم كل النواقص المؤقتة في الكادر التدريسي والأخطاء الفنية وعدم إشراك المختصين والتربويين بشكل لازم وكاف في تشريعه وتنفيذه.

 

ولكن ما يصعب فهمه أن شريحة واسعة من الجماهير وممن يحسبون أنفسهم مثقفين وساسة كورد وقفوا ولايزالون ضد هذه الخطوة القومية بامتياز ويطالبون بدلاً عنها باستمرار منهاج نظام البعث بحجة ضمان مستقبل أطفالهم لغياب الاعتراف الرسمي بالمنهاج الكردي، دون التطرق لجوانب مضمونه العلمي أو اللغوي أو التربوي التي يجب تطويرها باستمرار وبالجهود المشتركة.

 

تثير هذه المقاربة العديد من التساؤلات من قبيل فهم أصحابها لموقع اللغة في سلم الثوابت القومية واعتبار الدفاع عنها وتثبيتها كأمر واقع كأهم السبل النضالية السلمية في سبيل الدفاع عن القضية، فإما أنهم لا يؤمنون بإمكانية التدريس بالكردية أو لاعتقادهم باستحالة الحصول على وضع قانوني للشعب الكردي في سوريا المستقبل، أو أنهم ليسوا صادقين في نهجهم و شعاراتهم القومية ومطالبتهم بالحقوق الثقافية أصلاً!.

 

 أليس من البراغماتية تحقيق ما يمكن تحقيقه ذاتياً الآن وتثبيته كأمر واقع دون إبقائه عرضة للابتزاز في المفاوضات بيد الطرف المصادر للحقوق الكردية؟

ليتذكر مناوئو منهاج التدريس للإدارة الذاتية أن بيشمركة جنوب كردستان كانوا يدرسون بلغتهم الكردية وبمنهاجهم الخاص في الكهوف وفي ظلال الأشجار وخلف الأحجار وبما توفرت لهم من كتب وأقلام ومدرّسين منذ عام 1961 وحتى 1991 دون أن ينتظروا الاعتراف بشهاداتهم الكردية من قبل الحكومة العراقية أو اليونيسكو، حيث كان البيشمركة يلتحق بالثورة ويجازف بحياته ومستقبله دون أن ينتظر اعترافاً رسمياً بخدمته العسكرية من لدن الحكومة العراقية وكان يقاطع مدارس نظام بغداد احتجاجاً دون أن يفكر بضمان مستقبله الشخصي.

 

 لقد كان البيشمركة صادقا في عقيدته، مؤمناً بعدالة قضيته وواثقاً من حتمية انتصارها، فأثبت بإصراره نجاح الكردية لغة عصرية للتعليم بمختلف مواده العلمية والإنسانية.

 

 ومن ثم اشترطت قيادة الثورة الاعتراف بمنهاج التدريس في المدارس الكردية وبشهاداتها  كأمر واقع في المفاوضات مع بغداد حول الوضع السياسي للشعب الكردي في العراق.

 

 بإصراره هذا على إثبات وجوده القومي وتأمين وضع دستوري يضمن حقوقه الإنسانية وهويته القومية، بيّن البيشمركة أن إرادة التعلم بلغة الأم والاصرار على إثبات أهليتها في التدريس يوازي حمل السلاح دفاعاً عن النفس ويستحق التضحية.

إن مقاربة من يصر على منهاج البعث السوري وتعليم الكرد بالعربية بدلاً عن لغة الأم بحجة تأمين مستقبل أطفاله إنما يشبه موقف الكردي العراقي الذي رفض النضال في سبيل قضيته القومية ليتجنب إزعاج النظام العراقي، أو امتنع عن الالتحاق بصفوف البيشمركة دفاعاً عن النفس بحجة ضمان مصالحه وتأمين مستقبل أطفاله.

 

شتان بين الذين يطالبون بمنهاج البعث بديلاً عن المنهاج الكردي للإدارة الذاتية بحجة تأمين مستقبل أطفاله ويعتبرون أنفسهم أصحاب قضية قومية، وبين أولئك الصبايا والشباب الذين يلتحقون بالمدارس الكردية حرصاً على لغتهم وثقافتهم أو يحملون السلاح ويجازفون بأرواحهم دفاعاً عن مستقبل أجيالهم وحرصا على الأمن القومي لشعبهم في مواجهة التحديات المصيرية القائمة من لدن الإرهاب العالمي وتركيا ومرتزقتها في المعارضة السورية والنظام الشوفيني في دمشق.

 

اللغة قضية مقدسة للكرد وتثبيت تأهيلها في التدريس وفرضها كأمر واقع بأيدي كائن من كان هو مكسب قومي مشترك يستحق توحيد الصف حوله في مأمن عن الصراعات الحزبية والشخصية العبثية. 

 

 

التعليقات مغلقة.