الاستفتاء الكردي.. اختبار لمناعة النظام العربي

45

محمد المختار الفال

بداية، وقبل أي سوء فهم أو تفسير غير موضوعي، أقر بأن الإخوة الأكراد تعرضوا للكثير من المظالم على يد أنظمة متجبرة قاسية تقود الناس بالقهر وتكمم الافواه وتغتال الحريات وتسلب حق الاختيار، وأن الإنصاف والموضوعية يقتضيان تقدير حجم الضغط الذي وقع عليهم وأن صبرهم على المكاره له حدود، وأن من حقهم أن يديروا حياتهم، كغيرهم من المجتمعات، والاعتراف بكامل حقوقهم الإنسانية والسياسية والثقافية.

هذه مقدمة ضرورية لتكون مدخلاً للحديث عن مشروع قيام دولة كردية في شمال العراق وهو الأمر الذي يتجاوز تأثيره الأكراد إلى غيرهم من الشعوب والدول في المنطقة. والاستفتاء المتوقع في الـ25 من الشهر المقبل (سبتمبر) يطرح العديد من علامات الاستفهام الباحثة عن إجابات ومنها: هل قبول الدول الكبرى للاستفتاء مصدره الالتزام بحق تقرير المصير والدفاع عن الحقوق المشروعة للأكراد؟ وما هي ملامح التغير في مواقف الدول الإقليمية تجاه هذا المشروع؟ ثم السؤال المحوري والباعث على هذه السطور: أين النظام العربي من الاستفتاء؟ وما هي أخطاره على الأمن القومي، إن كان يصح الحديث عنه بعد حال التمزق والشتات؟

من المعروف أن دول المنطقة، ومعها الدول الكبرى، ظلت مجمعة طوال العقود الماضية، باستثناء النظام الصهيوني في فلسطين المحتلة، على الوقوف ضد قيام دولة كردية مستقلة على رغم ما تعرض له الأكراد على يد أنظمة صدام وإيران وتركيا، إذ كانت هذه الدول، على رغم خلافاتها ونزاعاتها التي وصلت الحرب وأزهقت ملايين الارواح، متفقة على الحيلولة دون قيام دولة كردية يمكن ان تشكل «نقطة ارتكاز» تلتف حولها إرادة شعب عنيد مقاتل كالأكراد، لكن الأحوال تغيرت والمعطيات تبدلت ورمال الأطماع تحركت تحت أقدام الكثيرين ليندفع البعض إلى الأمام ويتراجع البعض إلى الخلف بل ويسقط البعض في هوة ودوامة احترابات داخلية شلت قدراته وأعمت بصيرته عن رؤية ما يخطط له، فاختلط الاستراتيجي بالتكتيكي بعد غزو أميركا للعراق وهبوب رياح ما سمي بالربيع العربي الذي فجر صبر شعوب ضد انظمتها الفاسدة. وكانت «جناية» بوش الابن قاتلة إذ أدخلت المنطقة في «جهنم الفوضى الخلاقة» التي تفجر معها التوحش والإرهاب وبروز التنظيم الدموي «داعش» واستيلاؤه على الموصل، ذلك اللغز الذي لم تتكشف كل أبعاده حتى الآن، على رغم ما قيل ويقال عن «مؤامرة تسمين» وحش داعش وتسليمه الموصل لاتخاذه ذريعة للقضاء على الثقل العربي السني في العراق والتمهيد لمد جسور الهيمنة من طهران إلى الضاحية الجنوبية، وزاد الطين بلة غباء وعماية النظام الطائفي الذي حكم العراق زمن نوري المالكي، فقد هوت به الأحقاد الطائفية وقصر النظر وشهوة الهيمنة إلى الوقوع في أخطاء كارثية مزقت النسيج الاجتماعي العراقي وبثت الكراهية وتعاظمت المظالم واستشرى الفساد مع إضعاف الدولة المركزية وتآكل الثقة بإمكان التعايش معها.

هذه كلها عوامل دفعت، بل شجعت، روح الاستقلال لدى الأكراد وفتحت الأبواب مشرعة لدخول كل الذين كانوا يتحينون الفرص لتحقيق أمل «تمزيق» الخريطة العربية والوصول إلى مخطط «الدويلات» العرقية والطائفية والدينية. واليوم المشهد تجاه «استقلال» كردستان طرأت عليه متغيرات على رغم ثبات بعض المواقف، فالموقفان الإيراني والتركي ازدادا تمسكاً بالمعارضة بل ارتفعت حدتها ما أوصل الدولتين «المتنافستين» على النفوذ في المنطقة إلى التنسيق وتوحيد الجهود وتطوير الآليات سعياً لتعطيل المشروع وربطه بأحداث المنطقة وإمكان «خلط الأوراق» التي تستثمر «لعبة الوقت»، والصهيونية العالمية، ورأس حربتها حكومة نتانياهو، تحركت لدعم الاستفتاء وتقليل المعارضين له في الدوائر التشريعية والسياسية في الولايات المتحدة وأوروبا بل وحتى روسيا التي يختلف موقفها في هذه القضية عن موقف «حليفتها» إيران، ولم تعد إسرائيل تخفي بهجتها بهذا الحدث كما لم يعد الأكراد، في غالبيتهم، يتحرجون أو يخفون علاقاتهم بحكومة تل أبيب، فالمهرجانات المشتركة باتت معلنة والوفود الاقتصادية والثقافية والأجهزة الامنية لا تتوقف.

فأين العرب من هذا الذي يجري؟ وهل هناك عرب مؤيدون لانفصال كردستان عن محيطها العربي؟ وما هي النظرة المستقبلية لهذا الموقف؟ وهل هو موقف يعبر عن إرادة حرة تراعي المصالح الوطنية العليا أم هو نتيجة للوقوع تحت ضغوط دولية في إطار «ترتيبات» لحلحلة تشابكات قضايا المنطقة، الطارئة والمزمنة؟

من المجازفة الزعم بالقدرة على تقديم إجابة شافية يطمئن إليها عن هذه التساؤلات، لكن ليس مجافياً للعقل ولا مخالفاً للاستقراء المنطقي المعتمد على قراءة الواقع والمعرفة، النسبية، لأهداف اللاعبين المؤثرين، القول إن ما يلاحظ من صمت عربي عام وإشارات رسمية خافتة وتقارير وآراء صحافية حول هذا الأمر يدعو إلى الاستنتاج بأن العرب، في عمومهم، ليسوا ضد «انفصال» كردستان عن العراق، وهنا يتجدد السؤال بصيغة أخرى: لماذا يؤيد العرب هذا المشروع؟ ومن المستفيد من تفكيك المكون «السني» في العراق؟

لا أحد يزعم تطابق مواقف العرب السنة والأكراد في بلاد الرافدين ولا تشابه أوضاعهم وإمكاناتهم أو مطالبهم لكن بقاء هذا البلد موحد، والبحث عن حل الخلافات في إطار الوحدة يعطلان مشروع تقسيم العراق إلى «دويلات ثلاث» فهذا المشروع إذا تحقق لن يكون الأخير في المنطقة، خصوصاً أن الساعين لتحقيقه على أرض الواقع يرون أن حال «ترهل النظام العربي» وانتشار «فايروس» التطرف والإرهاب ومخاطر التشدد الذي يبث الكراهية والشكوك في المجتمعات العربية، كسرت «حائط الصد» النفسي الذي كان يشكل الواقي الحقيقي ضد كل مشاريع التقسيم والتفتيت على مر القرون الماضية.

مرة أخرى، ليس من الإنصاف مطالبة الأكراد باستمرار الصبر على الظلم وهضم الحقوق، ولكن إذا كانت بغداد حريصة على بقائهم في دائرة وحدة وطنية تضمن لمواطنيها التساوي في الحقوق، فإن عليها اتخاذ الخطوات العملية لتمكينهم من حقوقهم الدستورية غير المنقوصة، وحينها تصبح مكاسب «الوحدة» متحققة في حياة الجميع.

ثم هل بقي في «الجنازة» الجامعة العربية عروق تنبض لتحمل من دماء المصالح المشتركة ما يحمي من «تفتت» العراق الذي يمهد لتشظي بقية الخرائط؟

 

المصدر: الحياة

التعليقات مغلقة.