بعد قصر الشعب: انتقال القضية الكردية من القوة إلى السياسة
بقلم: *طلال محمد
شهدت الساحة السورية خلال الساعات الماضية تطورات سياسية بالغة الأهمية، تمثلت في ظهور مظلوم عبدي في قصر الشعب بدمشق، والإعلان عن انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بصيغتها العسكرية المستقلة، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على دمج القوات والمؤسسات ضمن مؤسسات الدولة السورية، وترافقت هذه التطورات مع انتقال مظلوم عبدي إلى موقع سياسي جديد داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي يفتح أمام سوريا عموماً، والقوى الكردية خصوصاً مرحلة مختلفة في طبيعتها وأدواتها واستحقاقاتها.
من الطبيعي أن تثير هذه التطورات حالة من القلق والارتباك داخل الأوساط الكردية، بعد سنوات طويلة ارتبط خلالها الوجود السياسي والعسكري الكردي في شمال وشرق سوريا بقسد والإدارة الذاتية والمؤسسات التابعة لهما، غير أن التعامل مع التطورات الجديدة يحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والواقعية، بعيداً عن القراءات التي تذهب مباشرة إلى توصيف ما حدث باعتباره انتصاراً كاملاً أو هزيمة كاملة.
إن ما انتهى فعلياً هو نموذج سياسي وعسكري استمر لأكثر من عقد، وقام على وجود قوة عسكرية منظمة، وإدارة مدنية وأمنية، ومؤسسات محلية، وسيطرة فعلية على مساحة جغرافية واسعة، وفرت للكرد وحلفائهم أوراق قوة مهمة في التعامل مع الأطراف السورية والإقليمية والدولية، ولا يمكن التقليل من أهمية خسارة هذا الشكل من أشكال القوة، خصوصاً أن وجود قوة عسكرية مستقلة كان أحد أهم عناصر التوازن خلال السنوات الماضية، لكن انتهاء هذا النموذج لا يعني انتهاء القضية الكردية، كما أن قسد لم تكن في أي وقت اختصاراً للقضية الكردية بأكملها؛ القضية الكردية أوسع من أي تنظيم أو مؤسسة أو شخصية، وهي قضية حقوق قومية وثقافية ولغوية وسياسية، وقضية مواطنة وشراكة متساوية في بناء الدولة السورية، ولذلك فإن التطور الجديد ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقالاً في طبيعة إدارة القضية الكردية، من مرحلة ارتبطت بدرجة كبيرة بالقوة العسكرية والسيطرة الجغرافية، إلى مرحلة سيكون فيها العمل السياسي والدستوري والمؤسساتي أكثر أهمية.
هذا الانتقال يحمل مخاطر جدية، لكنه يحمل أيضاً فرصة سياسية ينبغي عدم إهدارها، فإذا أدى إنهاء الوضع العسكري والإداري السابق إلى عودة الكرد إلى موقع سياسي هامشي من دون ضمانات واضحة لحقوقهم، فإن النتيجة ستكون تراجعاً كبيراً في المكتسبات السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية، أما إذا ترافق الاندماج في الدولة مع صياغة عقد وطني جديد يعترف بالتنوع القومي والثقافي، ويضمن الحقوق الكردية دستورياً وقانونياً، فإن الانتقال يمكن أن يشكل خطوة باتجاه معالجة القضية الكردية ضمن إطار الدولة السورية.
في هذا السياق يكتسب الحديث عن الدور السياسي المقبل لمظلوم عبدي أهمية خاصة، خصوصاً في ظل ما يتم تداوله عن إمكانية توليه موقعاً سياسياً داخل مؤسسات الدولة، من دون أن يكون ذلك قد حُسم بصورة رسمية ونهائية حتى الآن، وفي حال انتقل عبدي بالفعل من موقع القيادة العسكرية إلى موقع سياسي، فإن ذلك سيمثل تحولاً مهماً في أدوات العمل والتأثير، وقد يفتح أمامه مجالاً للمساهمة في بناء قنوات التواصل بين دمشق والمجتمع الكردي، والمشاركة في تثبيت التفاهمات والدفاع عن الحقوق الكردية ضمن المؤسسات الجديدة، وفي الوقت نفسه فإن هذا الانتقال يطرح بصورة طبيعية مسألة مستقبل الدور السياسي الذي مثّله عبدي خلال السنوات الماضية، ومدى قدرته على الاستمرار في الدفاع عن المشروع السياسي الكردي ضمن الإطار السوري الجديد، وهي مسألة لا يمكن حسمها مسبقاً، وإنما ستحددها مواقفه وممارسته السياسية في المرحلة المقبلة، وفي جميع الأحوال لا ينبغي أن ترتبط القضية الكردية بشخص أو بمنصب، مهما كانت أهمية صاحبه، إذ إن الضمان الحقيقي يكمن في منظومة حقوق دستورية وقوانين ومؤسسات قادرة على حمايتها، وفي تمثيل سياسي كردي قادر على التعبير عن مصالح المجتمع الكردي بمختلف مكوناته واتجاهاته، ومن هنا تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى بناء مرجعية سياسية كردية سورية، أو إطار سياسي واسع يجمع القوى والأحزاب والشخصيات المجتمعية حول برنامج مشترك، ويؤسس لخطاب كردي أكثر توحيداً ووضوحاً، يتجاوز الانقسام بين مؤيد لقسد ومعارض لها، أو بين مؤيد للإدارة الذاتية ومعارض لها، وينتقل إلى التركيز على الحقوق والمصالح الاستراتيجية للكرد في سوريا الجديدة.
وفي هذا الإطار يمكن لأحزاب اللقاء التشاوري أن تؤدي دوراً مهماً، شرط أن تتجاوز حدود التنسيق الحزبي التقليدي، وأن تعمل على بناء رؤية سياسية مشتركة تستجيب للمرحلة الجديدة، والمطلوب ليس الدخول في منافسة مع مظلوم عبدي أو مع أي طرف كردي آخر، وإنما المساهمة في تشكيل موقف سياسي كردي واسع، يملك القدرة على الحوار مع دمشق ومع القوى السورية الأخرى، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار الكردي.
كما أن المرحلة الجديدة تستدعي إعادة ترتيب الأولويات، فالمطلوب وضع الحقوق الدستورية في مقدمة المشروع السياسي الكردي، بما يشمل الاعتراف الدستوري بالوجود والهوية القومية الكردية، وضمان الحقوق اللغوية والثقافية والتعليم باللغة الكردية، والمساواة الكاملة في المواطنة، والمشاركة السياسية الفعلية، والعدالة في توزيع الموارد، وضمان عدم التمييز، ومعالجة آثار السياسات السابقة التي ألحقت الضرر بالمجتمع الكردي، إضافة إلى معالجة ملفات الملكية والمهجرين والمعتقلين وسائر القضايا الإنسانية والقانونية العالقة.
لقد انتهت أو هي في طريقها إلى الانتهاء، مرحلة اعتمد فيها الكرد بدرجة كبيرة على القوة العسكرية والإدارة القائمة على الأرض، أما المرحلة المقبلة فينبغي أن تكون مرحلة بناء القوة السياسية والقانونية والدستورية، وهذا يتطلب توحيد الصف الكردي، وتطوير خطاب سياسي واقعي، وبناء مرجعية قادرة على التفاوض، وعدم السماح بتحويل إنهاء الحالة العسكرية إلى إنهاء للقضية الكردية.
إن الانتقال من منطق القوة العسكرية إلى منطق الحقوق الدستورية ليس بالضرورة تراجعاً، كما أنه ليس انتصاراً تلقائياً، نجاحه يتوقف على قدرة القوى الكردية على تنظيم نفسها، وعلى قدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من منطق الغلبة والمركزية إلى منطق الشراكة والمواطنة، وفي هذه اللحظة المفصلية تبدو المسؤولية الأكبر أمام القوى الكردية السورية هي الحفاظ على جوهر القضية، بعيداً عن التعلق بأشكالها السابقة، فقسد كانت مرحلة والإدارة الذاتية كانت مرحلة، أما القضية الكردية فهي أعمق من كل هذه الأطر، والمطلوب اليوم هو تحويل ما تحقق خلال السنوات الماضية من واقع سياسي ومجتمعي إلى حقوق دستورية وقانونية راسخة، بحيث يصبح الكرد شركاء حقيقيين في بناء سوريا الجديدة، لا مجرد طرف يجري استيعابه داخل مؤسساتها.
*سكرتير حزب السلام الديمقراطي الكردستاني
التعليقات مغلقة.