صحفية تركية تكتب: أمريكا ستخلق ظروفًا من عدم الاستقرار في إيران.. أهما: تسليح التنظيمات المحلية

1

المصدر : الكاتبة والصحفية التركية . هدية لفنت

الترجمة: باقي حمزة

  يتصدر اتفاق مزعوم بين الولايات المتحدة وإيران عناوين الأخبار. ورغم أن هذا الاتفاق يُشار إليه عادةً بـ”صفقة”، إلا أن هذا الوصف غير دقيق. فالنص الذي تم إعداده والمتوقع توقيعه من قبل الطرفين في جنيف يوم الجمعة هو في الواقع “مذكرة تفاهم”، وهي بيان نوايا بشأن الاتفاق، وليست ملزمة قانوناً.

 

بحسب نص مذكرة التفاهم المنشور في الصحافة العربية، ينص الاتفاق على إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، لكن الغموض يكتنف الأمر منذ البداية. فقد صرّح بن غفير، أحد أبرز قادة الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، قائلاً: “الاتفاق الأمريكي لا يُلزمنا. نحن دولة مستقلة”، بل وأضاف أن احتلال جنوب لبنان يجب أن يستمر، وأن السكان المحليين لن يُسمح لهم بالعودة إلى المنطقة، وبالتالي سيستمر الدمار في هذه المنطقة، بما فيها مدينة صور الكبيرة. يلتزم نتنياهو الصمت، ولكن في ظل الضغوط المتزايدة بسبب الانتخابات المقبلة، يبدو من غير المرجح أن تتمكن أمريكا من إقناع إسرائيل بسهولة بوقف الحرب في لبنان. في الواقع، تجري مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، لكن لبنان لا يملك الجيش ولا القوة الاقتصادية للضغط على إسرائيل. وقد علّق لبنان آماله على الدول ذات المصالح في لبنان، وخاصة على المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. في الحقيقة، لا يقتصر الأمر على وقف الحرب في لبنان فحسب. يُذكر أن إسرائيل شنت الهجمات الأولى على إيران، وأن هذه الحرب، التي استمرت قرابة عام، بدأت كحرب إسرائيلية إيرانية. وحتى لو تنحى ترامب عن منصبه، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستواصل الحرب مع إيران.

 

حسب الوقائع  أن إيران بدأت تتحول إلى مستنقعٍ لترامب. فالحرب مع إيران، التي لم تسر فيها الخطة كما كان متوقعاً، باتت تُشكّل عبئاً ثقيلاً على ترامب في انتخابات التجديد النصفي القادمة في أمريكا. وبحسب مذكرة التفاهم، فإن فترة التفاوض التي تبلغ 60 يوماً، والتي ستبدأ فور التوقيع، قابلة للتمديد إذا لزم الأمر. في الواقع، ستُحسم هذه المفاوضات، التي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حقيقي ودائم، بشأن الأنشطة النووية، والعقوبات المفروضة على إيران، ووضع الأموال المجمدة خارج البلاد. مع ذلك، حتى قبل التوقيع، بدأت الانتقادات تتصاعد من أمريكا وأوروبا بشأن قلة خبرة فرق التفاوض الأمريكية. تُسلّط هذه الانتقادات الضوء على خبرة إيران في هذا المجال، ويُقال إن المفاوضات، لا سيما فيما يتعلق بالعقوبات والإفراج عن الأموال، قد تُسفر عن نتيجة إيجابية لإيران. باختصار، تشعر الدول الأوروبية التي لا تُؤيد ترامب في الحرب مع إيران بالقلق إزاء تخفيف العزلة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية المفروضة على إيران. في هذه الحالة، تظهر تعليقات تفيد بأن إيران قد تدخل بقوة كبيرة إلى المنصات والأسواق الدولية.

 

من جهة أخرى، وبالنظر إلى الوضع الراهن ومأزق ترامب، فمن المحتمل أن تبدأ هذه المفاوضات بمدة 60 يومًا، ثم تُمدد لفترات إضافية حتى تهدأ ضغوط الانتخابات، ما يُطيل أمدها. ويتعزز هذا الاحتمال، لا سيما مع قلق إسرائيل من إمكانية التوصل إلى اتفاق.

 

 يتناول النص أيضاً مسألة فتح مضيق هرمز، حيث ينص على أن تقوم الأطراف بفتحه تدريجياً خلال 30 يوماً. وهذا أمر بالغ الأهمية لسوق الطاقة العالمي ولإيران على حد سواء. فإيران تتكبد خسائر يومية بملايين الدولارات جراء الحصار الأمريكي المفروض على موانئها. وتشير دراسات حديثة إلى أن موانئ بندر عباس، وجزيرة هرك، وميناء الإمام الخميني، وميناء بوشهر، وميناء تشابهار، تخضع للحصار. ويتسبب هذا الحصار في خسارة يومية قدرها 1.5 مليون برميل من صادرات النفط الخام، أي ما يقارب 140 مليون دولار. إضافة إلى ذلك، تصل خسائر صادرات البتروكيماويات إلى 54 مليون دولار يومياً، بينما قد تصل خسائر صادرات السلع الأخرى إلى 80 مليون دولار يومياً. لذا، فإن رفع الحصار عن الموانئ سيوفر لإيران راحةً بالغة الأهمية. وبحسب النص، فقد أقر الجانب الأمريكي أيضاً بسيادة إيران على مضيق هرمز.

 

تُثار أيضًا نقاشات حول إنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار. نفى ترامب هذا الادعاء قائلاً: “لن أنشئ مثل هذا الصندوق، لكنني لن أحث أحدًا على الاستثمار في إيران أيضًا”. لكن سواء قال ترامب أو أمريكا “استثمروا في إيران”، فالأمر غير ذي صلة. المهم هو أن يكون المستثمرون المحتملون بمنأى عن خطر الإدراج في القائمة السوداء والتعرض للعقوبات. باختصار، ليس من الخطأ الاستنتاج بأن ترامب على الأقل يُبدي مرونة في تخفيف العقوبات المفروضة على إيران.

 

بالطبع، ستكون لهذه العملية تداعيات على إيران أيضاً. فالتزام إيران الصريح بعدم امتلاك أسلحة نووية، الوارد صراحةً في النص، يُعدّ بالغ الأهمية. كما أُحيل قرار امتلاك إيران لنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى المفاوضات. من جهة أخرى، توحي التصريحات المتعلقة بتعليق إيران لبرنامجها النووي بأنه سيتم تحديد إطار زمني لذلك. وكانت إيران قد وافقت سابقاً على تعليق البرنامج لمدة عشر سنوات، بينما كانت الولايات المتحدة ترغب في أن تكون هذه المدة عشرين عاماً.

 

باختصار، في حين أن التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة لا يزال بعيد المنال، فقد تم وضع جدول زمني للتفاوض، وصدرت وثيقة تحدد مطالب كلا الجانبين. سيوفر هذا لترامب بعض الوقت للتنفس في ظل ضغوط الانتخابات الأمريكية، كما سيكسب إيران مزيدًا من الوقت. ورغم أن احتمال اندلاع حرب جديدة بين إيران والولايات المتحدة يبدو مستبعدًا، إلا أن اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وإيران أمر وارد. علاوة على ذلك، لا يزال من المرجح جدًا ألا تتخلى الولايات المتحدة بسهولة عن إيران؛ فبدلًا من حرب ساخنة، ستخلق ظروفًا من عدم الاستقرار تدريجيًا من خلال وسائل مثل التنظيم المحلي والتسليح. هناك احتمال واحد فقط كفيل بإلغاء هذه الاحتمالات: وهو أن يُغير النظام الإيراني سياسته الخارجية جذريًا، ويفتح قنوات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويُخفف من حدة نهجه في الحكم الداخلي. في الواقع، يمكن القول إن عملية تحول، لم تكن واضحة للعيان في ظل الحرب الساخنة، قد بدأت. ستُظهر نهاية الحرب الساخنة الصراع بين الفصائل المتشددة والدبلوماسية داخل إيران، وعملية التحول نفسها.

 

على أي حال، لا يبدو أن التنافس بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وآثاره سينتهي في أي وقت قريب!

 

التعليقات مغلقة.