“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

5

عماد الدين موسى

يُمثّل طه خليل صوتاً شعرياً نادراً يتقاطع فيه الحضور الإنساني بالوعي الجماليّ العميق. امتدّت تجربته على مدى عقود، بين قصيدة النثر الملحمية والكتابة الشذريّة المتكثّفة، مشكِّلةً نسيجاً خاصاً يتداخل فيه اليوميّ بالحلميّ، والواقعيّ بالمتخيَّل. يميل في كتاباته إلى صوغ عوالم داخلية مشحونة بالحنين والأسى، مع احتفاءٍ واضح بالصمت بوصفه تعبيراً شعرياً له دلالته. قصيدته تشبه نافذةً صغيرة تطلّ على الذات، وتدوّن بالعتمة أكثر ممّا تكتب بالنور. وبين مجموعاته الشعريّة، تتشكّل هوية تقوم على تجنّب الضجيج، والمراهنة على الهامشيّ والهشّ والمفتّت، لتمنح القارئ إحساساً بجمالٍ يتسرّب خفيةً من بين الشقوق.

 

منذ ديوانه الأول «قبل فوات الأحزان» (1988)، وصولاً إلى «كحل الرسولة» (2021)، مضى الشاعر الكرديّ السوريّ طه خليل يكتب القصيدة من موقع «الخاسر الجميل»، الذي لا ينتصر في المعارك، لكنه ينجو بالشِعر، ويحوّل الرماد إلى لغة غاية في الرقّة.

 

ولعلّ «جريح كالوديان» (دار كنعان، دمشق، 2025) يُمثّل ذروة هذا المسار؛ قصائد قصيرة، مكثّفة، مشبعة بالرمز، ومفعمة بالوجع، تكاد تبلغ أقصى حدود ما يمكن أن تبلغه الكتابة من بلاغة في الصمت وجمال في الانكسار. إنّه ديوان اللازمن، حيث الحرب لم تنتهِ، والحبّ لم يُشفَ، والهوية لا تزال مشرّدة.

 

في هذا الديوان، تتجلّى أرقى حالات التبسيط المركّب التي بلغها الشاعر؛ فالكلمات القليلة تُصبح وسيلة للتكثيف، وأداة وجوديّة تعكس الذات كمرآةٍ شفيفة لحياة تُختصر بسطر، وتُقال كلّها في عبارة واحدة. هكذا، يقف «جريح كالوديان» في قلب التجربة، بوصفه خلاصة المسار وعصارته الأصدق والأندر.

 

كما تتجلّى الهوية كجرحٍ مفتوحٍ أكثر منها شعاراً، ويحضر الوطن كعاطفة ضائعة لا كحدود فاصلة. قصائد تمشي على حافة الخسارات، وتلتقط التفاصيل المهملة بلغةٍ تشبه الهمس، كأنّها تحاول أن تداوي ما لا يُداوى أو يتعذّر شفاؤه.

 

الإصغاء لأنين الحرب

الحرب في شعر طه خليل ليست حدثاً تاريخياً محايداً، ولا جحيماً مطلقاً يدينه الشاعر بارتباك؛ إنّها كائن حيّ يتشكّل من الشوارع، والأمهات، والمقاهي القديمة، والمجنّدين، والغزلان المكسورة.

 

يكتب الشاعر من عمق الفراغ، كأنّ القصيدة كتف يسند جسده، أو أريكة يرتاح فوقها طفلُ حربٍ أنهكه الركض خلال نشرات الأخبار:

«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب

انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

 

بهذا التواطؤ الجمالي مع الألم، يعلن الشاعر انتماءه للخراب كمصير شعريّ.

 

في «جريح كالوديان»، يوسّع طه خليل خرائط الألم، معيداً رسم وجه الوطن عبر عيون الأطفال، وأقدام الإيزيديات الحافيات، وأمهات المجنّدين، ونداءات النادل الكردي في مطعمٍ بحيّ باب توما الدمشقيّ، دون الاتّكاء على الخرائط الجغرافية.

 

القصائد قصيرة، لكنها تقول كلّ شيء؛ تستخدم لغةً تفكّك المجاز نفسه وتعيد تركيبه بما يُشبه الصمت:

«أحنّ إلى الغابات

الشجر لا يتقاتل

الشجر يتعانق

حين تهبّ الريح».

 

قصيدة تفضح خواء البشرية، وتضعنا أمام الحقيقة: حتى الأشجار أرحم من البشر. إنّها استعارة نقيّة للعالم المقلوب، حيث الطبيعة تحتضن، بينما يستعدّ البشر للذبح.

 

هوية مبعثرة على الأرصفة

دمشق وقامشلي ليستا مجرّد مدينتين في شعر طه خليل (من مواليد مدينة قامشلي، 1966)، إنّما حالتان وجدانيّتان: الأولى يختبر فيها المنفى الداخلي، والثانية تمثّل الطفولة المجروحة، وجذوره الكرديّة، وجغرافيا الحنين. تتحرّك القصيدة بينهما كأنّها تمشي حافية، تُلامس الأرصفة المتشقّقة:

«من تسندني حتى تنتهي هذه الحرب؟

من ترافقني في شوارع دمشق؟

من تطلب من النادل الكردي في المطعم

أن يبدّل لنا أغاني الحرب… بأغنية كرديّة

فينتشي خشب المطعم القديم».

 

الهوية هنا تنبع من لحظة حنين حسّي، يتحوّل فيها الغناء الكردي إلى بديل للرصاص، ويغدو المطعم الدمشقي معبداً لسلامٍ مؤجَّل.

 

طه خليل لا يغفل عن الحبّ، لكنه لا يمنحه حضوراً متردّداً يجاور الفقد؛ فالحرب لم تترك في يده عشبا، ولم تُبقِ في قلبه زهوراً، إنّما غزالة مكسورة تمرّ ولا تلتفت، تُشبه العشيقة، وتُشبه البلاد، وتُشبه الذات التي تنظر إلى نفسها ولا تتعرّف عليها:

«لا بأس أيّها الحبّ

لم أعد أتذكّر منك الكثير

أرجوك، أيّها الحبّ

احرس الغزالة في غيابي».

 

هنا يُستغاث بالحبّ لحراسة ما تبقّى من رهافةٍ مهدّدة بالاندثار، دون التطلّع إلى استعادته. إنّها الغزالة التي تعبر الشارع دون أن يوقف أحد الحرب لأجلها. طه خليل يُبقي الحبّ على قيد الحياة بالتوسّل، في صورةٍ تُقاوم الرثاء وتؤجّل الفقد.

 

تشكّل قصائد «جريح كالوديان» أرشيفاً بصرياً للحرب، تُوظَّف فيه الصورة كموقف أخلاقي وجمالي أكثر من كونها مشهداً. فـ«أمهات الحرب»، مثلاً، يُستحضَرن بالدموع والتفصيل الإنسانيّ معاً:

«الأمهات اللاتي يقطرن الملح في عيونهن

الأمهات اللاتي هدّ الحزن ظهورهن».

 

هنا، يوثّق الشعر من موقع الانحياز الكامل للألم، وبلغة تمسّ العظم مباشرة، دون قفّازات بلاغيّة.

 

لغة طه خليل تتماهى مع الجرح: لا تصرخ، لا تئنّ، بل تهمس. إنّها بلاغة خافتة تُستخرج من تحت أنقاض اللغة، وتبدو دائماً كأنّها تقف على الحافة؛ يتغزّل بالحرب كمن يساير قاتله، ويعلم أنّ خلاصه الوحيد يكون عبر الكتابة. إنّها كتابة تسخر من البلاغة، وتستبدل المجاز بالصمت، والعشق بالخذلان، وتحوّل الشعر إلى حالة نجاة داخلية.

 

الجرح بوصفه هوية شعريّة

يشكّل عنوان الديوان مفتاحاً تأويلياً دقيقاً، يفتح بوابة الكتاب ويضيء على تجربة طه خليل الشعرية بأكملها؛ فالوديان، بانخفاضها وصمتها واستعدادها لتلقّي الألم، تصبح استعارة مهيبة للذات الشاعرة التي تمتصّ العالم كأرض مشقّقة، منفتحة على الداخل بدل أن ترتفع في وجه الخارج.

 

بهذا المعنى، «جريح كالوديان» يُمثّل هوية وجودية متكاملة، لا يقتصر على كونه صورة شعريّة فقط؛ الشاعر–الإنسان هو الوادي، والحرب هي المطر الأسود، وبينهما تنمو القصيدة كزهرة وحيدة تنمو بين الطين والركام.

 

العنوان يتجاوز التماثل البلاغي بين «الجريح» و«الوديان»، ليخلق تواطؤاً داخلياً بين الطبيعة والإنسان، حيث يصبح الألم المكاني انعكاساً للألم الوجودي:

«الجبال كانت تصف لي

وكنتُ جريحاً كالوديان».

 

إنّه عنوان ينزل إلى قاع النفس البشرية بهدوء وبنهدةٍ خافتة، بعيداً عن العلوّ والهتاف، وبهذا يفتح للقصيدة فضاءً خصباً للرمز والرؤية واحتمالاتٍ أعمق من أن تُقال. فهو يُفصح عن طبيعة داخلية مهيّأة للانكسار، تتجاوز حدود الجرح الجسدي أو العاطفي.

 

كثافة تُطلق الرؤيا

يمتلك طه خليل بصمة أسلوبية فريدة تقوم على الاقتصاد الدقيق في اللغة، والاعتماد شبه الكامل على الشذرة التي تحرص على الكلمات، وتتعامل مع الشعر كمساحة ملغومة، حيث كل كلمة قابلة للانفجار الرمزي. في «جريح كالوديان»، كما في كثير من دواوينه السابقة، نلمس هذا الميل العميق إلى التكثيف، حيث تتحوّل القصيدة إلى ومضة خافتة، أو تنهيدة مدوّية داخل بيتين:

«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب

انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

 

ما نجده في هذا المقطع من اختيار جمالي وفلسفي يتجاوز الاختزال، ويتقاطع بوضوح مع عبارة النفّري الشهيرة: «كلّما ضاقت العبارة، اتّسعت الرؤيا». فقِصَر القصيدة هنا يعبّر عن اتّساع التجربة وعمقها، وعن قدرة الشاعر على تحرير الرؤيا من أسر اللغة.

 

اعتماد الشاعر على القصيدة الومضة دون غيرها يُمثّل رهاناً على البلاغة الصامتة، على ما يُقال من بين السطور، وعلى جعل الشعر شذرةً من روح متعبة تهمس بما لا يُحتمل.

 

قصائده تومض كلقطات خاطفة من حافة العالم؛ تكفي صورة واحدة مثل «الغزالة المكسورة»، أو «النادل الكردي»، أو «الأمهات اللواتي يقطرن الملح» لخلق عالم كامل من الدلالات.

 

في «جريح كالوديان»، تتلخّص الرحلة كقصيدة مفتوحة على الدم والحنين والمحو، تُثري المكتوب عن الحرب، وتُعيد تعريف القصيدة التي تتحدّث عن الدم دون أن تلطّخ نفسها به، وعن الحبّ دون أن تتورّط في الوهم، وعن الوطن دون أن ترفعه شعاراً.

 

المصدر: صالون سوريا

التعليقات مغلقة.