المرأة والثورة السورية

13

www.basnews.com

منذ عام 1970، نظام ديكتاتوري استولى على البلاد. هناك أجيال عاشت  وتعيش التحول إلى الدكتاتورية، الخضوع التام للسلطة، حظر للتفكير المغاير، حظر بالتالي لكل مبادرة فردية.  بالإضافة إلى ذلك، نجح النظام بزرع الخوف في قلب المواطن، وردع أي تحدّ  من خلال ارتكاب مجازر قاسية، خاصةً تلك المرتكبة عام 1982 في حماة، وهي مدينة في وسط سورية، قُصفت بالمدفعية وفقد الآلاف من المدنيين حياتهم. أعقب هذه المجزرة على الفور تصفية لجميع محاولات الاحتجاجات السياسية، وأرسل الكثير من الرجال والنساء والمثقفين واليساريين والإسلاميين, للموت في السجون لسنوات عديدة.

في هذا النظام الشمولي، قضية حقوق المرأة، مثلها مثل بقية القضايا، تمت مصادرتها من قبل المؤسسات الرسمية للنظام  (الاتحاد النسائي)،  ولم يكن للنساء المتظاهرات مكان في هذه المؤسسة، ولم يتح لأي جماعة أو جمعية أن توجد خارج هذا الكيان الرسمي.
النظام الذي يُفترض أنه علماني, عمل على تعزيز قبضته على النساء من خلال تعزيز حركة إسلامية رجعية «القبيسيات»، هدفها هو التلقين الديني للنساء عن طريق مشرفات تربطهن علاقة وثيقة مع ضباط الأمن. وهكذا، أُنشئت في دمشق وحدها، ثمانين مدرسة  تابعة لهذه المجموعة، و تم تأسيس مدارس الطائفة السنية، وتوفير التعليم الديني للفتيات من سن الرضاعة (بالتوازي مع تعليمهم الرسمي). واستقبلت هذه المدارس حتى الآن، 750،000 طالبة .

لم يرَ أي إصلاح  يستطيع تغيير وضع المرأة  النور خلال 45 عاماً من حكم عائلة الأسد. وما زالت الشريعة الإسلامية سارية المفعول، في الميراث (حيث ترث الفتاة نصف ما يرث أخيها)، وتعدد الزوجات  شبه مسموح به، كما يمكن للرجل أن يطلق زوجته حسب مزاجه، وغيرها من التشريعات المجحفة بحق المرأة.

على المرأة أن تقود معركة مزدوجة،  تُطالب بحقوقها كإمرأة (على المستوى الفردي والجماعي) لإعطائها قيمة في المجتمع، والنضال من أجل حقوقها ككائن بشري في وجه قمع السلطة، ومن نافل القول، أن العقبة الرئيسية أمام حقوق المرأة في سورية هي غياب الديمقراطية.

 

النساء في الصف الأول

بطبيعة الحال، ومهما كانت حالتها وبيئتها الاجتماعية، كانت المرأة  في طليعة الاحتجاج عندما بدأ. المرأة هي التي نظمت أولى الاحتجاجات السلمية مارس 2011  في العاصمة دمشق، رمز قوة السلطة.  من بين النساء المنظمات، أسماءٌ غدت معروفة اليوم،  سهير الأتاسي,  رزان زيتونة،  وغيرهما. وعندما تمّ  تفريق المظاهرة واعتقال المتظاهرين والمتظاهرات،  نظمت النساء اعتصاما أمام وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.

لم ينقص الجموع السورية الثائرة، وجود الوجوه النسائية فيها. فدوى سليمان- وهي ممثلة- كانت تقود المظاهرات في حمص وضواحيها، وكانت تهتف مع الجماهير،»نحن السوريين، أننا متحدون جميعا ضد المافيا في السلطة»، مُكذبة خطاب النظام عن الشعب السوري . لكنها، وتحدت التهديد بالقتل، غادرت سورية خلال عام 2012.

اختيار هذه الممثلة  من حمص لا يعود للصدفة،  بل هو خيار سياسي ومدروس. ففدوى سليمان علوية (إنها من  الأقلية التي تنتمي إليها عائلة الأسد)، وحمص هي رمزالثورة، وهي مدينة التي يعيش فيها بسلام  سكان من جميع  الأديان. وفيها، في شهر نيسان 2011، ارتكب النظام المذبحة الثانية له ، بعد تلك التي ارتكبها في درعا جنوباً. وذلك بعد أن احتل الآلاف من نشطاء السلام  الميدان الرئيسي في المدينة، على طريقة ميدان التحرير في القاهرة، مصر.

أطلق مسلحون النار على الحشد مما تسبب في مقتل العشرات، ومئات الجرحى،  كما تم اعتقال الآلاف  زجوا  في السجون.

 

فترة المظاهرات السلمية

شاركت النساء من جميع الطبقات الاجتماعية، ومن كافة الأعمار، بنشاط منذ اليوم الأول للثورة السورية. في الريف كما في المدينة، أياً كانوا: أمهات، طالبات، موظفات، عاملات، معلمات، محاميات، طبيبات، شاركت النساء في تنظيم المظاهرات، وشاركن في التظاهرات، قدمن المساعدة للجرحى، وساهمن في إخفاء الرجال والنساء الغرباء الهاربين من الأجهزة الأمنية، أو من القناصة.

لم تكن المتظاهرات مرئيات في الصور التي نقلتها وسائل الإعلام الغربية، لكن المراقب الدقيق لايلاحظ  فقط وجوداً مستمراً للنساء في مظاهرات حاشدة في شوارع المدن والقرى، لكن عدداً كبيراً من التظاهرات التي تم تنظيمها من قبل النساء باسم المرأة السورية، ( تجدر الإشارة الى ظاهرة مثيرة للاهتمام رمزياً، الوجود الدائم على رأس المتظاهرين لصبي ولفتاة، تتراوح أعمارهم بين 11 و13عاماً، ينشدان في محاولة لحشد الجماهير).

في المناطق ذات الوجود المكثف للمنظمات الرسمية يكون من الصعب جداً إجراء المظاهرات، فقد أظهرت النساء ابتكارات جديدة  لتحفيز العمل، في دمشق قمن بوضع مكبرات الصوت فوق المباني وفي الحدائق العامة، لتبث الأغاني الثورية، كما أطلقن بالونات تحمل منشورات تُشجع الناس على الانضمام إلى المتظاهرين, وقمن بطلاء الجدران بالأحمر تكريماً للثورة والأسرى والمفقودين.

في السويداء (مدينة في جنوب سورية)، ليلة عيد الميلاد، فتيات صغيرات، ارتدين لباس بابا نويل, وقمن بتوزيع منشورات تدعو سكان المدينة إلى التضامن مع الثوار، إضافةً إلى العديد من الإجراءات التي تبدو هنا سلمية وغير مؤذية، إلاّ أنّ مؤلفوها كانوا يخاطرون بحياتهم إذا ما اتخذت على أنها حقائق تُدينهم.

هناك أيضا ظاهرة المظاهرات داخل البيت، هناك الآلاف من أشرطة الفيديو للهواة على youtube، تظهر نساء  بوجوه مغطاة (لعدم الكشف عن هوياتهن)، تقرأن البيانات، وترددن الشعارات، وتغنين الأغاني الثورية، تلوحن باللاّفتات.

ضاعفت النساء أنشطتهن الاعتيادية في المدينة كما في الريف، في التظاهر أو تنظيم اعتصامات للمطالبة بالإفراج عن أبنائهن وبناتهن وأزواجهن المسجونين ظلماً. وكما في داخل البلاد، في الخارج أيضاً نظمت النساء نشاطهن الداعم للثورة في تنظيمات عديدة كـ «نساء سوريات للدفاع عن الثورة السورية»، «نساء سوريات من أجل الديمقراطية».

في هذه الحرب التي شنها النظام، ضد الشعب، كانت معاناة المرأة بشكل خاص وحشية أليمة. فبغض النظر عن عمرها أو عن وضعها الاجتماعي، كانت المرأة ضحية للاغتصاب الجماعي أمام زوجها وأطفالها وأهلها، في مجتمع محافظ حيث شرف المرأة هو في غاية الأهمية، بل هو السلاح الذي يستخدمه النظام لإذلال رجال الأسرة، وردع الناس عن القيام بأي عمل ضده، لكن أيضاً لكسر حماسة واندفاع النساء ومنعهن من العمل، وهذه السياسةٌ حققت هدفها جزئياً، لأن الكثيرين تركوا كل شيء وذهبوا للجوء إلى المناطق المحررة، أو في البلدان المجاورة. وقام النشطاء في مخيمات اللاجئين بتنظيم حملات دورية لمساعدة النساء المغتصبات، وحملهن للتحدث ورواية محنتهن، وأيضاً لشرح فكرة أن العار الوحيد هو في دعمنا لهذا النظام المجرم، كل هذه السنوات!

فترة الكفاح المسلح

دور المرأة بلغ ذروته في عام 2012، فقد عانى السوريون من الاعتقال والاغتيال، واختفاء معظم ناشطي الصف الأول في المعارضة السلمية، خاصة الرجال، فقابل  ذلك حركة النساء اللواتي انتظمن في شبكات لنقل المساعدات الطبية والمواد الغذائية، إلى المناطق المحاصرة والمقصوفة من قبل النظام، كذلك لدعم الحركة السلمية.

فيما بدأت الثورة باتخاذ منعطف الكفاح المسلح، هناك نساء ثوريات قررن الاستقرار في المناطق المحررة التي أصبحت المناطق الأكثر تشاركيةً في أنشطة الإدارة الذاتية من حياة الناس، وكانت هي الشاهد على وحشية النظام. فعلى سبيل المثال لا الحصر عُرفت سميرة خليل ورزان زيتونه  في دوما، وعن طريقهما اطلع العالم الخارجي على مايعانيه الشعب السوري المحاصر من قبل جيش النظام والميليشيات التابعة له، حيث يتعرض المدنيون للقصف بالطائرات والمدافع, محاصرين جوعاً، محرومين من الماء والكهرباء والدواء، هذا أيضاً حال مارسيل شحوارو في حلب، وغيرها الكثير من الأسماء المجهولة.

مدينة جرمانا القريبة من دمشق، ذات الغالبية المسيحية والدرزية، لعبت لفترة طويلة دوراً هاماً في دعم الحاضنة الشعبية لمقاتلين من عدة بلدات مجاورة ثائرة، وبفضل شبكة نساء جرمانا، أصبحت هذه المدينة المطبخ الخلفي لتغذية العائلات المحاصرة، وعمل النظام وشبيحته على تصفية هذه الشبكات.

لاتنقصنا أمثلة النساء اللواتي لم يكن لديهن أي نشاط ظاهر قبل الثورة والتزمن عندما أصبحت الثورة مسلحة، هذا هو حال أم خالد في كفر نبل (مدينة محررة  في شمال غرب البلاد).  حيث أسست أم خالد أول مركز للنساء، يجتمعن لمناقشة أوضاعهن في وقت الحرب، ويشاركن طوعياً في ورشات العمل المجانية للإسعافات الأولية، وكذلك ورش عمل تصفيف الشعر والحياكة، اللغة الإنجليزية، وغيرها من النشاطات، كما يحتوي المركز أيضاً مكتبة جيدة.

أم خالد دليل على أن النساء في المنطقة، قادرات على التعبير عن أنفسهن في الأماكن العامة التي خلقتها الثورة، وذلك على الرغم من العسكرة المتزايدة وهيمنة الذكور،  كانت المرأة قادرة على ايجاد مكانها وعلى لعب دورها، الذي كان سرق منها منذ فترة طويلة من قبل النظام.

 

وتستمر المعركة

في نيسان عام 2013، عندما ظهرت على الأراضي السورية جماعات جهادية تابعة لتنظيم القاعدة، لاتختلف ممارستها عن  ممارسات النظام، ورفض السوريين استبدال ديكتاتورية بأخرى. اشتعلت الأعمال السلمية، مظاهرات واعتصامات ووقفات.

هذا هو الحال بشكل خاص في مدينة الرقة (شمال شرق) التي جعلها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قاعدتها الرئيسية، حيث لم يتوقف الحراك السلمي للأهالي ضد تصرفات «التنظيم». لكن امرأة واحدة قررت الخروج عن التعبئة الجماعية، إنها سعاد نوفل، مدرسة، وقفت ضد الرأي العام، وقررت أن تعبر عن معارضتها عن طريق القيام باعتصام أمام المقر العام «للتنظيم», حاملةً لافتات موجهة إلى المتنفذين في «تنظيم الدولة». وعلى الرغم من التهديدات المتكررة ضدها، والاعتداء الجسدي الذي عانته، إلاّ أنها رفضت ترك  مدينتها، واستمرت كل يوم بمضايقتهم  بلافتاتها وشعاراتها. حتى تم تهديدها بالقتل وإجبارها على الرحيل، هكذا أصبحت «سعاد» رمزاً لقوة ونضال المرأة السورية التي تناضل على عدة جبهات، النظام، تنظيم الدولة، المافيا الإسلامية، والمجتمع الذكوري.

 

تأثير الثورة ونتائجها على النساء

بضع نقاط للملاحظة، لفترة وجيزة، والتي ينبغي وضعها على حدة:

-مسؤوليات جديدة اضطلعت بها المرأة.

-الدراما التي انغمست فيها  المرأة السورية (لقد فقدت الزوج أو الأب أو الابن) لم تضعفها بقدر ما أعطتها المزيد من الأسباب للعمل.

-مشاركتها النشطة في العمل الإنساني، والحكم الذاتي المحلي، غيّر بشكل كلّي قدرتها على العطاء ووضعها في موقف قوي.

هذا الوضع الرهيب ميّز, وسيميز أجيالاً من النساء، ويعد شكل إيجابي لكفاح المرأة من أجل مستقبل أفضل.
لقاء غير محتمل!

خلال النضال السلمي، اتخذت المظاهرات الأكثر عدداً مكاناً لها في وسط المدن. بالمقابل في دمشق، كانت غالبا تتخذ مكاناً لها في الأحياء البعيدة عن الثكنات العسكرية، وعن مباني الأمن ونقاط تجمع الميليشات الخاصة بالنظام.

كان المتظاهرون من جميع الفئات الاجتماعية يجتمعون في حلقات دبكة، وكانوا يتعلمون معاً التغلب على خوفهم ومواجهة القمع الدموي. مكان المرأة في هذه الحركات الجماهيرية لم يكن أقل من مكان الرجل. كان هذا وضع غير مسبوق حيث النساء المحاميات، الطبيبات, الطالبات، الموظفات المسؤولات، ترددن في المواكب مع الأمهات, العاملات, الموظفات، والفلاحات.

هي حالة يعمل فيها ناشطون من وسط المدينة، جنباً إلى جنب مع رجال الأحياء البعيدة للتحضير للمظاهرات. معاً يعيشون الأهوال التي تلحق بهم من قبل أتباع النظام، يختبئون عند بعضهم البعض منتظرين حتى يهدأ الوضع  (في دوما، وبرزة، والغوطة).

هذا التنوع، هذا التفاعل الاجتماعي، لم يكن ليجد له مكاناً دون هذه الحركة الجماعية للاحتجاج.

من السابق لأوانه التنبؤ بنتائج الثورة السورية. مع ذلك، من المؤكد أنه بالنسبة لكثير من النساء السوريات، فإن خطوط التماس الاجتماعي سقطت جزئياً من خلال عملهن الحاسم.

عن مجلة ” ضوضاء “

التعليقات مغلقة.