لماذا تبدو اللغة الكردية حائرة في التعبير عن مآسي الكرد و معاناتهم؟
بقلم: الدكتور محمد علي عبدي “ممو عبدي“
سؤال عميق ومؤلم، لأنه لا يتعلق باللغة الكردية بوصفها مجموعة من المفردات والقواعد فحسب، بل بعلاقتها بذاكرة شعبٍ عاش تجارب متراكمة من الفقدان والاضطهاد والتهجير والانقسام، وبقدرته على تحويل هذه التجارب إلى خطاب أدبي وإنساني يصل إلى العالم.
لكنني أود أن أبدأ بفكرة أساسية: ليست اللغة الكردية عاجزة بطبيعتها عن التعبير عن المأساة؛ بل قد تكون المشكلة في الظروف التاريخية التي حدّت من تطورها المؤسسي والأدبي، ومن قدرتها على إيصال تجربتها إلى جمهور عالمي.
لماذا يبدو التعبير بالكردية أحياناً أقل من حجم المأساة؟
1. لأن المعاناة أكبر من المفردات المتاحة في لحظة التعبير
حين يحاول الإنسان الكردي أن يصف فقدان الوطن، أو التهجير، أو الخوف على الهوية، فإنه لا يصف حادثة منفردة، بل يحاول اختزال ذاكرة طويلة من الألم في كلمات محدودة.
وهذه ليست مشكلة كوردية وحدها؛ فكل اللغات تصل أحياناً إلى حدودها أمام التجارب الإنسانية القصوى. لكن تراكم المآسي قد يجعل الحاجة إلى لغة جديدة للتعبير أكثر إلحاحاً.
2. لأن الانقطاع التاريخي في التعليم والمؤسسات اللغوية ترك آثاراً عميقة
تعرّض استخدام اللغة الكردية في التعليم والنشر والحياة العامة لقيود متفاوتة بحسب البلد والفترة التاريخية. وأسهمت هذه الظروف في الحد من تطور بعض مجالات المصطلحات الأكاديمية والقانونية والفلسفية، وفي إضعاف استمرارية المؤسسات التي تصوغ خطاباً عاماً مشتركاً.
فاللغة لا تتطور بالأحاديث اليومية والشعر الشعبي وحدهما؛ بل تحتاج أيضاً إلى الجامعات، ودور النشر، والمسرح، والسينما، والصحافة، والترجمة، ومراكز البحث.
3. لأن الذاكرة الكردية غنية بالتجربة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التدوين والتوثيق
تعيش أجزاء من الذاكرة الجماعية في الأغاني والحكايات والروايات الشفوية وشهادات الناجين. وهذه أشكال مهمة لحفظ التجربة، لكنها لا تغني وحدها عن توثيق المآسي وتحليلها تاريخياً واجتماعياً ونفسياً.
كلما تحولت التجربة من الذاكرة الشفوية إلى الأدب والرواية والمسرح والدراسات والشهادات المترجمة، ازدادت قدرة اللغة على التعبير عن تفاصيلها وتعقيداتها.
4. لأن الانقسام اللغوي والمؤسسي يزيد صعوبة بناء خطاب مشترك
تضم الكردية تنوعاً لغوياً، من أبرز مكوناته الكرمانجية والسورانية، إلى جانب تنوعات أخرى. وهذا التنوع ثراء ثقافي، وليس نقصاً في اللغة، لكنه يفرض تحديات في التعليم والنشر وتوحيد المصطلحات وإنتاج أعمال تصل بسهولة إلى مختلف القراء الكرد.
ويمكن مواجهة هذه التحديات من دون إلغاء التنوع أو فرض لهجة واحدة على الجميع.
5. لأن المأساة الكردية لا تحتاج إلى وصف الألم فقط، بل إلى بناء خطاب يفهمه العالم
هناك فرق بين أن نقول إن شعباً عانى التهجير وفقدان الحقوق، وبين أن نكتب رواية تجعل القارئ يشعر بتجربة طفل اقتُلع من بيته، أو أمّ تنتظر ابنها، أو إنسان يخشى أن تختفي لغته من حياة أبنائه.
الأدب العظيم لا يكتفي بتسمية المأساة؛ بل يمنحها وجوهاً وأصواتاً وتفاصيل إنسانية. والترجمة الجيدة تتيح لهذه التجربة أن تتجاوز حدود لغتها الأصلية.
هل تستطيع اللغة الكردية أن تحمل هذه المأساة إلى العالم؟
بالتأكيد. ففي الشعر الكردي، والأغنية، والحكاية الشعبية، والأدب الحديث، أدوات تعبير عميقة عن الحب والفقدان والمنفى والحرية والارتباط بالأرض. ولا يصح أن نقيس قدرة لغة على التعبير عن الألم بعدد الكتب المنشورة عالمياً وحده.
المطلوب هو توسيع المساحة التي تستطيع فيها اللغة أن تعمل: من الأغنية إلى الرواية، ومن القصيدة إلى المسرحية، ومن الشهادة الشخصية إلى البحث التاريخي، ومن النص الكردي إلى الترجمة العالمية.
وأعتقد أن أحد أهم التحديات هو الانتقال من التعبير عن المأساة بوصفها ألماً جماعياً إلى تحليلها بوصفها تجربة إنسانية وتاريخية متعددة الأبعاد.
فالشعب لا يحتاج فقط إلى كلمات تصف ما عاناه، بل يحتاج أيضاً إلى مفاهيم تشرح ما حدث، وأدب يحفظ ذاكرته، وأعمال فنية تنقل تجربته، ومؤسسات تضمن وصول صوته إلى الآخرين.
كلمة أخيرة
ربما يمكن تلخيص الفكرة بهذه العبارة:
«ليست اللغة الكردية أضيق من المأساة الكردية، بل إن المساحة التي أُتيحت لها كي تتطور وتدوّن وتنتشر قد تكون أضيق من الذاكرة التي تحملها. والمطلوب ليس أن نلوم اللغة لأنها لم تقل كل شيء، بل أن نمنحها الأدوات والحرية والمؤسسات التي تساعدها على قول ما لم يُقَل بعد».
التعليقات مغلقة.