الانسحاب الأمريكي من العراق بين مخاوف مشروعة واستقرار مستدام
* بقلم: أحمد سليمان
يثير تراجع الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف الدولي في العراق وسوريا مخاوف مشروعة لدى العديد من شعوب المنطقة، لا سيما في إقليم كردستان العراق، في ظل التحولات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. وقد عزَّزت التطورات التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا هذه المخاوف، خصوصاً لدى الشعب الكردي، وأعادت طرح سؤال أساسي حول مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، ومدى قدرة شعوبها ودولها على حماية مصالحها في ظل تراجع الدور الدولي.
لا ينبغي أن تختزل المسألة في استمرار الوجود الأمريكي أو انسحابه، كما لا ينبغي أن يكون مستقبل المنطقة مرهوناً بمواقف القوى الدولية أو الإقليمية. فالوجود الخارجي، مهما كانت دوافعه وضروراته في مراحل معينة، لا يمكن أن يشكَّل بديلاً عن بناء حلول سياسية وأمنية مستقرة تنبع من واقع المنطقة ومصالح شعوبها.
لقد أثبتت التجارب أن معالجة الأزمات من خلال القوة أو فرض الأمر الواقع أو الاعتماد المفرط على الخارج لا ينتج استقراراً دائماً. فالاستقرار الحقيقي والمستدام يحتاج إلى حلول سياسية وواقعية تعالج أسباب الصراع، وتحترم إرادة الشعوب و حقوق المكونات، وتضمن المساواة والشراكة الحقيقية، وتؤسس أيضا لعلاقات سليمة بين دول المنطقة وشعوبها.
ينطبق ذلك بصورة خاصة على القضية الكردية. فالشعب الكردي جزء أساسي من شعوب المنطقة، وأي استقرار حقيقي لن يتحقق عبر تجاهل حقوقهم أو إنكارها، كما أن مصالح الشعب الكردي لا يمكن أن تتحقق بصورة مستدامة من خلال الرهان على القوى الخارجية وحدها. إذن المطلوب هو الاعتراف بالواقع وإيجاد حلول واقعية تحفظ حقوق الكرد ضمن حلول سياسية وسياقات دستورية واضحة، وتنسجم في الوقت نفسه مع مصالح الدول والمجتمعات التي يعيشون فيها.
إن استمرار الأزمات في سوريا والعراق وتركيا وإيران، إلى جانب التوترات الإقليمية والدولية، يؤكد أن المنطقة بحاجة إلى مقاربة مختلفة تقوم على الحوار والتفاهم والمصالح المشتركة، بدلاً من تحويل الاختلافات القومية والدينية والمذهبية إلى أدوات للصراع والاحتراب.
لعل السؤال الأهم اليوم ليس من سيبقى في المنطقة ومن سينسحب منها؟ بل كيف تستطيع شعوب المنطقة أن تبني نظاماً من العلاقات يضمن أمنها واستقرارها دون أن تكون رهينة لتدخلات الخارج.؟
إن الحلول الأكثر استدامة هي تلك التي تنطلق من الواقع، وتحترم إرادة الشعوب، وتعترف بالتنوع، والتوازن بين حقوق المكونات ووحدة الدول، وتربط الأمن بالتنمية والعدالة والعيش الكريم. فالهجرة والتهجير والفقر وتراجع الخدمات وانهيار البنية التحتية ليست قضايا منفصلة عن الأمن، بل هي من أهم مصادر عدم الاستقرار.
من هنا تبرز مسؤولية القوى السياسية والفكرية والإعلامية وفعاليات المجتمع المدني في الدفع باتجاه مشاريع وطنية وإقليمية تقوم على المصالح المشتركة، وتبتعد عن الاصطفافات التي تجعل من الهوية القومية أو الدينية أو المذهبية سبباً دائماً للصراع.
فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات بالوكالة، ولا إلى حلول تفرض من الخارج، وإنما بحاجة إلى إرادة سياسية قادرة على إنتاج تسويات واقعية، تحفظ حقوق الجميع وتفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار.
الانسحاب الأمريكي، أياً كان توقيته وشكله ينبغي ألا يكون مناسبة وسبباً لإعادة إنتاج الأزمات، و إنما ينبغي أن تكون فرصة لإعادة التفكير في مستقبل المنطقة و استقرارها، وليس الذهاب إلى طلب الحماية من الآخرين، أو فرض حلول بالقوة، و إنما بالعمل على إقامة علاقات إقليمية تقوم على التوازن والمصالح المشتركة، وضمان حقوق جميع شعوب المنطقة مهما كانت انتماءاتها القومية والدينية والمذهبية.
*نائب سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا
التعليقات مغلقة.