أطلق الكرد النار على أقدامهم حتى لا يطلقوا النار على ظهور مكونات المنطقة

1

*إنصاف سليطين

أطلق الكرد النار على أقدامهم حتى لا يطلقوا النار على ظهور مكونات المنطقة

إضاءة على كواليس الدمج و مناقشة سيل الاتهامات :

لا يمكن النظر إلى حلّ «قسد» على أنه ملف محلي مجرد، ومن يقيّم هذا الحدث من هذا المنظور، وبمنطق الانتصار الساحق أو الهزيمة المطلقة، يقع في فخ النظرة الناقصة.

فالملف الكردي أحد أبرز ملفات المنطقة وأكثرها تعقيدًا وتشابكًا، والفواعل الإقليمية والدولية تؤثر فيه إلى حد كبير، فيما ظل الكرد أنفسهم فاعلًا نشطًا لا يركن إلى الاستسلام.

ما حصل فعليًا أن الكرد قرؤوا التغيّرات الدولية والتحولات الجذرية على مستوى المنطقة والعالم. واقع المنطقة بعد حرب إيران لم يعد كما كان قبلها، والنظام الدولي نفسه في طور التغيّر وإعادة التشكل.

ومن هنا يجب قراءة ما جرى.

رفض الكرد أن يكونوا بنادق للإيجار تقاتل في سبيل مشروع لا يتبنونه. رفضوا الدور المطلوب منهم، واستثمروا في لحظة التناقضات الدولية الحاسمة؛ فاوضوا القوى الإقليمية، وحيّدوا الاشتباك معها، وتنصلوا من ثمن القتال المأجور، ولو كان الثمن غضبًا أميركيًا.

اشتروا المواطنة، وردّوا الارتزاق إلى من يطلبه، وقالوا بوضوح: لا نقاتل إلا من أجل قضيتنا.

رفضوا قتال الشيعة، ورفضوا الدخول في حرب إقليمية تضرب الجميع بالجميع. حين طلب إليهم باراك مواجهة الحشد العراقي رفضوا، وحين أراد ترامب أن يكونوا رأس حربته، كقوات برية في إيران، رفضوا أيضًا.

والمقصود هنا تحديدًا القوى اليسارية الكردية الممثلة بالتيار الأوجلاني؛ حزب العمال الكردستاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب الحياة الحرة الكردستاني الإيراني «بيجاك»، ومن يدور في فلك هذه القوى.

رفض الكرد إشعال حرب إثنية وعرقية، وكان ذلك أحد أسباب انكشاف الموقف الأميركي منهم. وفي المقابل، أسهمت اللوبيات الكردية النشطة للأحزاب المذكورة في الغرب في التأثير النسبي داخل دوائر القرار الغربية، وضبط حدود التخلي الأميركي عنهم.

وفي الوقت نفسه، كان هناك مسار آخر يتحرك بالتوازي: الرؤية الأوجلانية لعملية السلام مع تركيا، وشكل الاستجابة الكردية لها، بالتزامن مع مسار الدمج في سوريا.

وهنا تحديدًا لا يمكن قراءة حل «قسد» باعتباره استسلامًا عسكريًا مجردًا.

لقد قبل الكرد بمكتسبات لا ترقى بالتأكيد إلى سقف طموحاتهم السابقة، لكنهم انتزعوا جزءًا منها بما راكموه طوال السنوات الماضية، وجنّبوا المنطقة، ولو مؤقتًا، بحرًا من الدماء لم يرتضوا أن يحملوا وزره ومسؤوليته.

أطلق الكرد النار على أقدامهم حتى لا يطلقوا النار على ظهور مكونات المنطقة.

خسروا عشرات الآلاف في قضية آمنوا بها، وحقنوا دماء مئات الآلاف في قضايا لا تتسق مع مبادئهم ولا يرون أنفسهم طرفًا فيها.

هؤلاء هم الكرد الذين سنكون دائمًا معهم، يدًا بيد وجنبًا إلى جنب، في الطريق إلى مستقبل يجب أن يتسع للجميع.

أما من يحاسب «قسد» اليوم على أخطاء الماضي، من وجهة نظره، فليفتح دفتر حساباته كاملًا، وليُخرج أخطاء جميع الأطراف ويضعها في الميزان نفسه.

ومن يمكنه منكم مواجهة أميركا وتركيا وصفقات إسرائيل، فليتفضل وليرنا عجائب أفعاله.

الكرد أهلنا وإخوتنا. ويكفيهم شرفًا أن بنادقهم كانت موجهة إلى التنظيم 11، وأن أي احتكاك آخر كانوا سرعان ما يسعون إلى احتوائه.

قسد صفحة وطُويت. أما الكرد فكتاب سيبقى مفتوحًا، عزيزًا ونبيلًا.

هفالات.. كل التقدير والمودة

*صحفية سورية

التعليقات مغلقة.