التمثيل الكردي في مجلس الشعب السوري الجديد: مؤشرات مقلقة وأسئلة لا يمكن تجاهلها

24

الدكتور عبدالكريم عمر

 شكّلت الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري في المرحلة الجديدة محطة سياسية كان من المفترض أن تعكس ملامح سوريا المقبلة، وطبيعة التوجهات التي ستقود عملية إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. إلا أن ما أفرزته هذه الجلسة، ولا سيما فيما يتعلق بالحضور والتمثيل الكردي، يطرح جملة من الأسئلة السياسية الجدية التي يجب الوقوف عليها جدياً.

 

إن وجود عشرة أعضاء كرد فقط في المجلس لا يتناسب، بأي حال من الأحوال، مع الحضور السكاني والتاريخي والسياسي للشعب الكردي في سوريا. فالمسألة هنا لا تتعلق بحسابات رقمية، بل بمبدأ الشراكة الوطنية ومدى قدرة المؤسسات الجديدة على التعبير الحقيقي عن التنوع القومي والسياسي في البلاد.

 

وتزداد دلالة المشهد وضوحاً عند النظر إلى انتخابات رئاسة المجلس ونائبيه. فقد جاءت النتائج في سياق تزكيات وترتيبات سياسية مسبقة، من دون أن يكون للكرد حضور في هيئة رئاسة المجلس. وفي الوقت ذاته، ترشح لمنصب نائب الرئيس عضوان كرديان، كان أحدهما شخصية سياسية كردية معروفة، سبق أن تولت رئاسة حزبه ورئاسة المجلس الوطني الكردي وشغلت موقع نائب رئيس الائتلاف، إلا أنه لم يحصل سوى على عشرة أصوات، وهو العدد الأقل بين المرشحين.

 

هذه الوقائع مجتمعة تشكل مؤشراً مقلقاً إلى طبيعة نظرة السلطة الجديدة تجاه القضية الكردية وحقوق الشعب الكردي القومية المشروعة. كما أنها تعيد طرح سؤال أساسي: هل يُنظر إلى الكرد بوصفهم شعباً أصيلاً وشريكاً في بناء سوريا الجديدة، له قضية وحقوق قومية يجب الاعتراف بها دستورياً وسياسياً، أم أن المطلوب اختزال حضورهم في تمثيل فردي محدود، منزوع من هويته السياسية والقومية؟

إن التجارب السابقة علمتنا أن الحقوق تحتاج إلى اعتراف سياسي واضح وضمانات دستورية وقانونية، وإلى اتفاقات ملزمة تحدد أسس الشراكة ومستقبل الدولة السورية وهويتها ونظامها السياسي.

وهنا تقع مسؤولية تاريخية على عاتق القوى والأحزاب السياسية الكردية. فالانقسام الكردي وتعدد المواقف والمرجعيات لم يعد مجرد خلاف سياسي داخلي، بل تحول إلى نقطة ضعف استراتيجية تسمح للآخرين بالتعامل مع الكرد كأفراد وتيارات متفرقة، بدلاً من التعامل معهم كطرف سياسي وقومي يمتلك رؤية موحدة ومطالب واضحة.

إن وحدة الموقف الكردي اليوم  ضرورة سياسية ومصيرية. ولا يمكن حماية حقوق الشعب الكردي أو الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية من دون صياغة موقف كردي جامع، والاتفاق على رؤية وطنية وقومية مشتركة، والدخول في حوار وتفاوض جدي مع السلطة الجديدة على أساس الاعتراف الصريح بحقوق الشعب الكردي وضمانها في الدستور ومؤسسات الدولة.

لقد دُفعت أثمان باهظة، وسقط آلاف الشهداء دفاعاً عن الأرض والوجود والكرامة ومستقبل الأجيال. وإن أي تهاون سياسي أو رهان على الوعود أو الاكتفاء بتمثيل رمزي قد يضع تلك المكتسبات أمام مخاطر حقيقية.

 

سوريا الجديدة لن تُبنى بإعادة إنتاج سياسات الإنكار والإقصاء، بل بالاعتراف بتنوعها القومي والديني والسياسي، وبشراكة حقيقية بين جميع مكوناتها. وعلى القوى الكردية، قبل غيرها، أن تدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب موحد، وإرادة سياسية مشتركة، وموقف تفاوضي واضح.

التعليقات مغلقة.