كيف نجحت الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا؟
شورش درويش
من وجهة نظر بدت حاسمة رفضت إدارة دونالد ترامب عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا توم برّاك أن تصبح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المعادل الميدانيّ والإداري والسياسيّ لسلطة أحمد الشرع في شمال شرق سوريا، ورفضت واشنطن تالياً صيغة تقسيم العمل بين قسد ودمشق بالصورة التي تشكل ضامناً لئلّا تنزاح دمشق باتجاه تبنّي سياسات متشدّدة داخلياً وإقليمياً. ومن أجل تسهيل عملية إدارة الملف السوري قررت الإدارة الأميركية القول بأن الدولة المركزية هي أسهل اقتياداً لمصالح واشنطن من دولةٍ تتعدّد فيها الأقطاب والمراكز. تعبير براك أن “الدولة الفيدرالية لا تعمل” يحمل الطابع القطعيّ الذي جرى تبّنيه.
في النهاية حظيت رؤية ترامب – براك بقبول عربيّ وتركي، واعتراضٍ إسرائيلي لم يحمل طابعاً أصيلاً أو ثابتاً، وفي المحصلة جرى تطويب هيئة تحرير الشام سلطةً سياسية مصحوبة بمركّب عسكري متعدد الولاءات الإقليمية والعربية.
حملت كلمات ترامب في فترة حكمه الأولى مضامين فترة حكمه الثانية، فسوريا التي أراد الانسحاب منها بأي ثمن ما هي سوى “رمال ودماء” وهي ما تزال رغم الاستعراضات ورفع العقوبات سوريا المهملة في الأجندة الأميركية الحالية. تبدو سوريا متروكة لمصيرها وتفاعلاتها الداخلية وطريقة حكم جماعتها الحاكمة، طالما أن الأمر لا يتعارض مع السياسة الخارجية الأميركية ولا يتسبّب بصداع لإسرائيل. ولقد بلغت ذروة اهتمام إدارة ترامب بسوريا خلال رفع العقوبات الأميركية واستقبال الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في البيت الأبيض، ثم بدفع عجلة التفاهم بين دمشق وقسد عبر توم براك، الذي أنجز مهمّة مركزة الحكم وتأمين الانسحاب الأميركي من الأراضي السورية وسحب يد واشنطن من ملف داعش في سوريا بعد ترقية دمشق إلى الدولة 90 في عداد التحالف الدولي ضد داعش.
قبيل فوزه في الانتخابات الرئاسية نهاية عام 2016، لم يخفِ ترامب خلال حملته الانتخابية رغبته في الانسحاب من الشرق الأوسط كلّياً، وهو ما حوّله إلى نهج ضاغط على فريقه الرئاسي وعلى حلفائه في المنطقة خلا تركيا، غير أنه اصطدم وقتذاك برؤية الاستراتيجيين في إدارته: جون بولتون مستشار الأمن القومي، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، وجوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش، ودان كوتس مدير الاستخبارات الوطنية، فضلاً عن داعمه الرئيسي في الكونغرس ليندسي غراهام ومجموعته الجمهورية غير المتحمّسة لميول ترامب الانسحابية. برّرت تلك الأصوات رفضها قرار الانسحاب بأنه مقدّمة لاضطراب إقليمي ولتمدد النفوذ الإيراني داخل سوريا وتنامي خطر داعش، والأهم من ذلك خطر تعرّض الكرد لإبادة متوقّعة على يد تركيا. في إزاء الفريق المعترض على الانسحاب برز اسم السفير السابق في تركيا جيمس جيفري كأبرز الداعمين لنهج أردوغان في سوريا، فوفقاً لما أسرّه وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو لجون بولتون فإن جيمس جيفري “لم يكن يحب الكرد ويعتبر تركيا شريكاً يعتمد عليه في الناتو”.
تمثّلت خشية المسؤولين في واشنطن من الوعود التي يمكن لترامب قطعها للرئيس التركي أردوغان فيما خصّ الانسحاب الكلّي من سوريا، وذلك بعد تحسّن العلاقات الأميركية التركية وطي صفحة الخلافات المتمثّلة بفضيحة “خلق بنك” حين أدانت واشنطن محمد أتيلا المسؤول الرفيع في البنك التركي لمساعدته إيران على التهرّب وتخطّي العقوبات الأميركية المفروضة على طهران، وبعد إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون المتهم بالتجسس، وغضّ الطرف عن شراء أنقرة منظومة إس 400 الصاروخية الروسية.
ساورت الشكوك أقطاب الفريق الترامبي الذي ميّز بين غايات أنقرة النهائية وبين الوعود التي أطلقها أردوغان لترامب بأنه لن يمسّ الكرد بسوء، الأمر الذي دفع ترامب في عديد المكالمات التي أجراها مع أردوغان إلى التركيز على عدم معاقبة الكرد، وهو الأمر الذي كان يدفع نظيره التركي للقول مراراً بأنه “يحب الكرد وأنهم يحبّونه”، وهي الأقوال التي تقنع المسؤولين في إدارة ترامب الراغبين في الحفاظ على سمعة الولايات المتحدّة تجاه حلفائها بعيداً عن أهواء ترامب ومزاجه الانسحابي الذي لا يقدّر العواقب، وفي المحصلة نفّذ ترامب انسحاباً جزئياً من سوريا رغم رفض أقطاب وزارة الدفاع وعلى رأسهم ماتيس وكتلة الجمهوريين في الكونغرس، ولعل رفض الجمهوريين قرار الانسحاب لصالح تركيا فاجأ ترامب الذي كان يثق بآراء السيناتور راند بول الذي طمأنه بوقوف الجمهوريين مع قرارات الانسحاب من أفغانستان وسوريا.
مع ترامب في فترة حكمه الثانية، جرى كل شيء تحت وقع سقوط نظام الأسد وحلول بديل تتنافر سياساته العقائدية وسياسات داعميه الإقليميين مع إيران، لتبقى مسألة الانسحاب أقرب إلى مسألة وقت ليس إلّا، فالمعضلات التي عطّلت انسحابه الكلّي بدأت تتلاشى: انسحبت إيران من كامل الأراضي السورية وانقطعت حلقة الواصل بين الضاحية وطهران، وملف داعش جرى إسناده إلى دمشق دون التدقيق في شروط الجدارة والمقدرة، والعراق الذي خشي بعد ما حصل في سجن الشدادي من تهافت مقاتلي داعش على العراق، اضطرّ أخيراً إلى المشاركة في إيواء قسطٍ من سجناء داعش لديه فضلاً عن استقبال عائلات مقاتلي التنظيم الوافدة من مخيّم الهول. وهنا ينبغي التذكير بأحد أسباب تعطيل الانسحاب الأميركي الكلّي عام 2019 حين شكّلت سجون داعش معضلة لترامب الذي اقترح إحضار سجناء داعش من شمال شرق سوريا إلى سجن غوانتانامو، وهي الفكرة التي عارضها ماتيس بشدّة فوق أن الكثير من الدول رفضت استعادة مواطنيها من تلك السجون.
أما المعضلة الأخيرة التي كانت تعترض سبيل الانسحاب في عهد ترامب الثاني، فكان مستقبل قسد والكرد عامّة، وعليه شجّعت واشنطن تنفيذ اتفاقية 10 مارس/آذار 2025، وسعت إلى بسط سيطرة الشرع ضمن رؤية قائمة على أساس قائل بأن رئيس كل سوريا يمكنه إبرام اتفاقية سلام مع تل أبيب، وبالفعل سرّع اتفاق باريس في 5 – 6 يناير/كانون الثاني الماضي من سيطرة القوات الحكومية ولفيف العشائر الموالي على شرقي البلاد مع انسحاب قسد من محافظتي دير الزور والرقة. الاتفاق الذي رسا على ورقة تفاهم وتعاون مستقبلي بين دمشق وتل أبيب خفّض مخاوف الأخيرة من مشروع الانسحاب الأميركي الكلّي. ففي عام 2019 أسرّ السفير الإسرائيلي في واشنطن رون ديرمر لمسؤولين أميركيين بأن قرار الانسحاب هو أسوأ قرار اتخذه الرئيس ترامب، ووقتذاك مثّلت احتمالية ملء الإيرانيين للفراغ الأميركي وغياب خط المراقبة في قاعدة التنف وشمال شرق سوريا أكبر كوابيس تل أبيب، غير أن ديرمر نفسه شارك في اجتماعات باريس مطلع العام الجاري ووافقت تل أبيب على تمدد دمشق في محافظتي دير الزور والرقة على ما قالته رويترز.
مع مجريات الانسحاب واحتمالية تقدّم القوات الحكومية باتجاه الحسكة وكوباني، ظهرت على السطح جملة اعتراضات سهّلت على واشنطن تنفيذ الانسحاب من جهة وقطع الطريق على الأصوات الرافضة للتخلّي عن الكرد من جهة أخرى، فبات تمييز واشنطن الرسمي ينصبّ على “حماية الكرد” عوضاً عن حماية شريكتها قسد، وهو ما نصّت عليه مسوّدة “قانون إنقاذ الكرد” الذي لوّح ليندسي غراهام بوضعه أمام المشرّع الأميركي إن استمرت دمشق في حربها، إضافةً إلى الاتصالات التي أجراها ترامب مع الشرع وبالمثل نائبه جي دي فانس لأجل حلّ خلافات دمشق مع الكرد عن طريق الحوار.
ساهمت الضغوط الأميركية، إلى جانب عوامل أخرى، في نزع فتيل حرب صفريّة ثقيلة على الكرد والمنطقة، وأفسحت المجال لبروز مفردة “الدمج” الذي يجب أن يحصل بين مؤسسات الإدارة الذاتية العسكرية والمدنية وبين مؤسسات الدولة، فيما يَعرف الموقّعون على اتفاقية 29 يناير/كانون الثاني غير المنشورة على وسائل الإعلام، بأن أي سوء تقدير من دمشق وقسد قد تكون له عواقب وخيمة. ولعل الدمج، الذي لا يحظى بالاحترام اللازم من كتل كردية وعربية على السواء هو آخر المطاف الذي يمكن أن يبلغه طرفا “عقد” 29 يناير.
ما يهم في كل قراءة لما جرى منذ مطلع العام الجاري أن إدارة ترامب نجحت في تنفيذ الانسحاب الصعب بعد أن حلّت ثلاث عقد على التوالي: ضمان عدم ظهور إيران في سوريا مجدداً، انسحاب واشنطن الجزئي من محاربة داعش وحراسة مرافق احتجاز مقاتليه، وضمان مستقبل كرد سوريا وانتشالهم من فكيّ إبادة وإنهاء برنامج التعاون مع قسد، ولعل كلمة السرّ في نجاح ترامب في التخلّص من وطأة الملف السوري الذي لا يحبّ الغوص فيه تكمن في الأدوار التي قدّمها توم برّاك بوصفه “المفوَّض” والمشرف على سياسة واشنطن في أربعة بلدان معاً: تركيا والعراق وسوريا ولبنان، أي التدخّل في شؤون ما مجموعه قرابة 160 مليون نسمة هم سكان هذه الدول الأربع بكل تناقضاتها الداخلية، وكل ذلك قبل انتهاء مهامه كمبعوث خاص إلى سوريا.
من الملاحظ أن ترامب تخلّص من سوريا حيث تراجعت حماسته الأولى، وربما المزعومة، تجاهها، وهو وفق فترتي حكمه لا يحبّذ البقاء فيها أو العودة إليها تحت أيّ ظرف، ولأجل ذلك لا يتعيّن على أي طرفٍ داخلي سوريّ أو إقليمي أن يحمل ترامب على العودة إليها، فهي لا تزال تمثّل “الرمال والدماء” التي يقرها، أو لأنها بتعبير آخر: لا تطابق تفضيلاته في مجال الاستثمارات والنفط.
المصدر: المركز الكردي للدراسات
التعليقات مغلقة.