الحلم الكردي ببناء مرجعية كردية على أنقاض الانشقاقات

9

زهية آل رشي

 في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها سوريا، يكتسب الكونفرانس الكردي الأخير أهمية خاصة بوصفه محاولة لإعادة تنظيم الموقف الكردي ضمن إطار أكثر شمولًا. وقد شكّل انعقاده خطوة إيجابية من حيث جمع طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية، وإعادة فتح قنوات الحوار الداخلي، بعد سنوات من التباعد والانقسام.

غير أن هذا التقدم النسبي يطرح في الوقت ذاته تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة المخرجات، ومدى قدرتها على إرساء بنية مؤسساتية قادرة على إدارة المرحلة المقبلة، لا سيما في ما يتعلق بالعلاقة مع دمشق. ففي لحظات سياسية دقيقة كهذه، لا يكفي التوافق على المبادئ العامة، بقدر ما تبرز الحاجة إلى آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتحديد مرجعياته.

من هذا المنطلق، تبرز مسألة غياب مرجعية كردية جامعة كأحد أبرز مواطن القصور في مخرجات الكونفرانس. فوجود إطار مرجعي منبثق عن توافق واسع، لم يكن ليشكّل فقط غطاءً تمثيليًا للوفد المفاوض، بل كان من شأنه أن يوفّر آلية مؤسساتية للعودة إليها عند التعثر، ويمنح القرار السياسي درجة أعلى من الانضباط والتماسك.

وتتضح أهمية هذه المسألة بشكل أكبر عند النظر إلى واقع التوازنات بين طرفي المشهد الكردي، حيث لا يزال كل من المجلس الوطني الكردي (ENKS) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يدير علاقاته السياسية، بما في ذلك مع دمشق، وفق مقاربات منفصلة إلى حدّ بعيد. ورغم ما قد تفرضه هذه المقاربات من اعتبارات ظرفية، إلا أنها تعكس في جوهرها غياب إطار جامع قادر على توحيد الرؤية وتنسيق المواقف.

إن استمرار هذا النمط من العمل، القائم على مسارات متوازية وأحيانًا منفردة نحو دمشق، لا يحدّ فقط من فرص بلورة موقف تفاوضي موحّد، بل ينعكس بشكل مباشر على مخرجات الكونفرانس نفسه، حيث تفقد هذه المخرجات جزءًا من قوتها الإلزامية والسياسية عندما لا تُدار ضمن مرجعية جامعة. كما أن ذهاب كل طرف باتجاهات تفاوضية منفصلة يفتح المجال أمام تباين الرسائل والمواقف، الأمر الذي قد يُضعف من الحضور التفاوضي الكردي، ويمنح الأطراف الأخرى هامشًا أوسع للتعامل مع الحالة الكردية بوصفها حالة غير موحّدة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر أثر هذا التشتت على الجانب الإجرائي فحسب، بل يمتد ليطال جوهر القضية الكردية، من حيث قدرتها على الحفاظ على زخمها السياسي، وفرض نفسها كملف متماسك في أي عملية تسوية مستقبلية. فالقضايا العادلة لا تضعف بذاتها، بقدر ما تتأثر بمدى وحدة ممثليها وقدرتهم على التعبير عنها ضمن رؤية مشتركة.

وفي المقابل، فإن وجود مرجعية كردية جامعة كان يمكن أن يشكّل عنصر توازن، ليس فقط بين الأطراف الكردية نفسها، بل أيضًا في علاقتها مع الفاعلين الآخرين، من خلال توحيد الخطاب، وتحديد الأولويات، وضبط إيقاع التفاوض ضمن رؤية جماعية متفق عليها.

ولا تقتصر أهمية هذا الطرح على المرحلة الراهنة فحسب، بل تتجاوزها إلى كونه استحقاقًا سياسيًا مؤجلًا في مسار بناء مؤسسات كردية فاعلة، قادرة على تمثيل تطلعات الشارع، وتعزيز الحضور الكردي في أي تسوية سياسية مستقبلية.

ختامًا، يمكن القول إن الكونفرانس شكّل خطوة مهمة باتجاه إعادة ترتيب البيت الكردي، لكنه لم يكتمل بعد من حيث بناء أدواته المؤسسية. فبين التوافق السياسي والقدرة على تحويله إلى قرار ملزم، تبقى الحاجة قائمة إلى مرجعية جامعة، قادرة على تحويل الحلم الكردي من حالة توافق هش، إلى مشروع سياسي متماسك قابل للحياة.

وفي لحظة تتكثف فيها الاختبارات السياسية، لن يكون مستقبل القضية الكردية رهناً بعدالة مطالبها بقدر ما سيكون مرهونًا بقدرتها على إنتاج مرجعية موحّدة تحوّل التوافق إلى قرار، والقرار إلى قوة فاعلة على طاولة التفاوض.

 

التعليقات مغلقة.