حكاية صورة.. مشانق الكرد في “قلعة بيازيد” عام 1877

25

حسين جمو

 يتردد اسم “قلعة بيازيد” في عشرات الأغاني الفلكلورية الكردية، ومعظم سرديات الأغاني، وأشهرها للراحل جميل هورو، مرتبط بقصص تروي بطولات أمراء وبكوات كرد في معارك غامضة، بعضها لا يعرف عنها شيء حتى اليوم سوى أن المكان هو قلعة بيازيد، وتلفظ في الوثائق العثمانية باسم “بايزيت”. رغم ذلك، فإن الكثير من جذور اسم قلعة بيازيد (دوغو بايزيد في التسمية التركية الحالية) في المرويات الفلكلورية تعود لمنتصف القرن التاسع عشر، أي من حرب القرم (1853 – 1856) والحرب الروسية العثمانية الكبرى (1877 – 1878). والأخيرة أكثر ملحمية في المخيال الكردي من الأولى، ذلك أن الوقائع التي شهدتها بايزيد، دارت في مساحات ضيقة، ومعارك متكررة بين انتصار وهزيمة، ومركزها العسكري في القلعة القائمة على مضيق جبلي بُني أساساً لحراسة طريق تجاري صغير قادم من بلاد إيران ضمن تحولات مسارات التجارة العابرة في القرن السادس عشر.

 

حرب 1877 كانت مختلفة عن حرب القرم من حيث ثقلها الكبير على الكرد، فقد تحمل هؤلاء الجزء الأكبر من حماية خطوط الدفاع على الجبهة الشرقية، أكثر مما كان عليه الأمر مطلع القرن التاسع عشر حين زار الشاعر الروسي الكبير ألكسندر بوشكين خطوط الجبهة مع الكرد. كانت الدولة العثمانية في هذه الحرب على وشك السقوط كلياً، فقد احتل الروس حتى أدرنة على الجبهة الغربية، وفقدت الدولة العثمانية البلقان، وبات الطريق مفتوحاً نحو إسطنبول نفسها، لولا استنجاد السلطان عبدالحميد الثاني بالملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا. فقد خففت من شروط معاهدة سان ستيفانو التي حطمت الدولة العثمانية، فكان البديل معاهدة برلين الأخف ضرراً والتي أجّلت سقوط الدولة العثمانية 35 عاماً، لكن المعاهدة أقرت بنداً يتعلق بإصلاح “ولايات الشرق” لتأسيس دولة أرمنية، وكان أول ظهور دولي لمصطلح “الولايات الست” وهو المشروع القائم إلى اليوم باسم “إصلاح الشرق” حيث حوّرته الجمهورية من إزاحة الكرد عن ولايات الشرق الست لتأسيس دولة أرمنية، إلى تتريك الكرد وتحطيم كردستان.

 

في كل الأحوال، انتشر رسم متعلق بمعارك بايزيد في الصحافة الأوروبية خلال الحرب، ونشرته وكالة فرانس برس في مجموعة رسوم شرقية لاحقاً في العام 1900. الصورة نشرت في الصحافة البريطانية أولاً، مع تعليق يقول:

 

«شنق المتهمين الكرد بعد مذبحة حامية بايزيد، تركيا. نقش يعود إلى 1877–1878».

وتظهر الصورة، كما هو معروض، جنوداً روساً ومدنيين يحيطون بعدة أشخاص على المشانق، وهي من الوقائع المدوية في المخيال الشعبي الكردي رغم اختفاء تفاصيل الحكاية وبقاء بطولات قلعة بايزيد فقط مع غياب التفاصيل والسياق. وكان الجنود الروس في طريق تقدمهم لاحتلال المنطقة، وقد حصلوا قبلها على باطومي وقارس وأردهان، وكانوا قد ارتكبوا انتهاكات اجتماعية، قيل إنها طالت نساء وفتيات، أو على الأقل هذا ما تناقله الكرد حينها، وباتت الرواية السائدة حتى لو لم يثبت شيء على الجنود الروس، كما في كل الحروب حين تنتشر قصص لا يمكن إثباتها ولا يسهل نفيها، لكن في التاريخ العثماني المعتمد، مثل تاريخ يلماز أوزتونا للدولة العثمانية، فإن الوقائع تشير إلى «مقاومة نسائية بطولية» في جبهة آغري!

 

حين شاعت أنباء عن صلح بين القائد العثماني والجنرال الروسي في قلعة بايزيد، اندفع المسلحون الكرد للانتقام، وبتشجيع وتنظيم من قادة في الجيش العثماني، فهاجموا القلعة وفتكوا بالحامية الروسية حيث ضجت هذه الواقعة في أوروبا في ذلك الحين، وكانت من القصص الإضافية، والرئيسية، التي تعرف من خلالها الأوروبيون على الكرد! وكان شائعاً في ذلك الحين أن المراسلين الحربيين يصيغون قصصاً درامية من نسج الخيال في تفاصيل تزعم رصد وقائع مثيرة على الجبهات، ومن المرجح أساساً أن مذبحة حامية بايزيد هي من هذه القصص، لأنه حتى أسماء الضباط العثمانيين على الجبهة لم تكن صحيحة، فقائد الجبهة كان مختار باشا، ولم يرد ذكر اسمه في قصة مذبحة الحامية.

 

فيما يلي الرواية الروسية، والتي تناقلتها الصحافة الغربية، ومنها صحيفة تايمز البريطانية بتاريخ 11 سبتمبر 1877:

 

في 14 حزيران/ يونيو 1877، تقدّم الفريق فائق باشا، قائد فرقة وان في الجيش العثماني، بعد أن أعاد تنظيم قواته التي كانت قد تضررت كثيراً قبل اندلاع الحرب، من الشاطئ الشرقي لبحيرة وان نحو بايزيد. وكان القائد الروسي قد ترك سريتين في القلعة، وهي بناء قديم ضخم من الحجر، ثم سار إلى مسافة 13 ميلاً إلى الجنوب الشرقي من البلدة، وخاض معركة ضد قوات فائق. ولما كان أقل عدداً بكثير، فقد هُزم وتراجع إلى داخل البلدة، واتخذ من القلعة موقعاً لجنوده، بينما بقي سلاح الفرسان خارج أسوارها مباشرة. وبمساعدة مدفعين ميدانيين، تمكّن الضابط من إبقاء الأتراك على مسافة؛ غير أن فائق، بعد أن أرسل منيب باشا مع كتيبتين وثلاثة مدافع جبلية لاحتلال تلٍّ يبعد نحو 1200 ياردة شرق القلعة، أصبح الأتراك قادرين على السيطرة بالنيران على الموقع الروسي، وجعلوه في النهاية غير قابل للدفاع عنه.

 

وفي 28 يونيو، وبعد أن قُطع عن الحامية إمداد المياه، رفع قائد الحامية راية بيضاء، ثم أرسل ضابطاً للتفاوض على شروط الاستسلام. وانتدب فائق باشا ضابطاً مماثلاً في الرتبة، فالتقى الاثنان في أحد بيوت البلدة ووضعا «مشروع معاهدة»، نال موافقة القائدين الروسي والتركي معاً. وعند الساعة الرابعة بعد ظهر ذلك اليوم، وبعد استكمال جميع الإجراءات التمهيدية، توجّه فائق باشا إلى بطارية المدافع الثلاثة الواقعة شرقي البلدة، وأرسل سرية من المشاة إلى القلعة، التي كانت الراية البيضاء لا تزال ترفرف فوقها، لكي تصطف على الطريق الخارج من الأبواب، بحيث يسير أسرى الحرب الروس بين الصفين نزولاً إلى المعسكر الذي أُعد لهم.

 

وعند الوقت المحدد، فُتحت الأبواب، وخرجت الحامية، غير مسلحة، في صفوف. وكان نحو مئتين أو يزيدون قد مرّوا بالفعل بين صفوف الجنود الأتراك، حين اندفع فجأة جمع من الكرد (وعددهم في قوات فائق بلغ ثمانية آلاف)، وبدأوا مذبحة مروّعة. وعبثاً حاول الجنود الأتراك النظاميون التدخل؛ فلم يكن لذلك أي أثر. وعبثاً ناشدهم الضباط الروس باسم الشرف، وصرخوا بأنهم أسرى حرب عُزّل؛ إذ إن شياطين أُطلقت من الجحيم ما كانت لتُظهر وحشية أشد من هذه. واندفعت جماعة إلى مؤخرة الرتل محاولة قطع طريق التراجع على الروس إلى داخل القلعة، غير أن بعض الجنود الروس احتفظوا، لحسن الحظ، برباطة جأشهم، وأنقذوا أنفسهم على حساب أرواح رفاقهم، فأغلقوا الأبواب.

 

وتتابع الصحيفة: يكفي أن نقول إن الكرد، بعد أن حُرموا من فريستهم في الحامية الروسية، التي قيل إن 236 من أفرادها ذُبحوا بهذه الطريقة، اندفعوا من دون رادع، والسيوف بأيديهم، إلى داخل المدينة، ومضوا في عملهم الدموي بين السكان العزّل. فسقط المسلمون والمسيحيون، والرجال والنساء، والأطفال والرضّع. وفي إحدى الكنائس وُجدت مئتا جثة. ولم يكن هناك بيت تقريباً لا توجد فيه جثتان أو أكثر.

 

وكانت معاناة الروس، القاسية أصلاً قبل المذبحة، حين دفعهم العطش – وهو أشد ما يمكن أن تعانيه حامية – إلى عرض الاستسلام، قد تضاعفت ألف مرة الآن. فالموت جوعاً مع حفظ الشرف كان أفضل، بل أفضل كثيراً، من الموت على أيدي أولئك القتلة المجرمين الذين سمح جنرال تركي بأن يبقوا في جيشه. وعلى الرغم من خيانة العهد التي ارتكبها رجال من قيادته نفسها، لم يُظهر فائق باشا أي علامة ندم على فعل سيقف له كل أوروبا مذعورة من الرعب، ولا أي علامة خجل من العار الذي لا بد أن يقع على رأسه هو نفسه، ولا أي علامة شفقة على الرجال الشجعان داخل القلعة، ولا أي اعتراف بالراية البيضاء التي كانت لا تزال ترفرف فوق الحامية الروسية؛ بل أصدر أوامره بمواصلة القصف، وأخذ يتباهى بدقة رمايات مدفعيته، ويشير إليها مزهواً، ويتفاخر بأنه كان، ليلة بعد ليلة، يراقب الجدول الذي كان الروس لا يستطيعون الحصول على الماء إلا منه، وأن جماعات الاقتحام التي كانت تحاول من حين لآخر أن تحمل بعض القطرات الثمينة إلى رفاقها كانت تُهاجَم في مهمتها الشجاعة وتُرد كل ليلة بخسائر.

 

وتتابع صحيفة التايمز وفق رواية مراسلها: استمرت هذه الحرب القاسية 23 يوماً؛ وعلى مدى 23 يوماً صمدت هذه العصبة الباسلة، متحملة كل أهوال الحصار، وقد زادتها رعباً أهوال أشدّ، هي خطر الموت عطشاً، إلى أن جاء صباح 10 يوليو، حين تمكن تيرغوكاسوف، في عمل سيبقى مسجّلاً كواحد من أكثر الأعمال العسكرية جرأة في الأزمنة الحديثة، من التوغل بثماني كتائب و32 مدفعاً وسبعة أفواج من الفرسان بين صفوف إسماعيل باشا، الذي كان لديه 20 كتيبة، وفائق باشا، الذي كان لديه ست كتائب و11 ألفاً من النظاميين، ففكّ الحصار عن رفاقه المحاصرين، وأخرجهم مع مرضاهم وجرحاهم ومدافعهم وذخائرهم، ثم توجه إلى فائق باشا، فألحق به هزيمة مدوّية، واستولى على ثلاثة مدافع وأسرَ 800 جندي تركي.

المصدر: المركز الكردي للدراسات

التعليقات مغلقة.