وهززت رأسي، أمسكت برسن مهرتي، ومسحت على رقبتها، وجبينها، حتى اطمأنت إليّ، وبقفزة كنت على ظهرها، وشددت رأسها نحوي كما قيل لي، وانطلقت، وتركت خلفي ذهول المجتمعين هناك، وما إن ابتعدت قليلا ، حتى بدأت أرخي الرسن لمهرتي التي أحب، و بدأت المهرة تمد راسها، وتحرره مني، حتى تركت الرسن على الغارب، ولم أعد أرى الأرض، كانت : ” كجلمود صخر حطه السيل من علِ”. كما وصف امرؤ القيس فرسه ذات يوم.
ما يقرب من النصف ساعة، ومهرتي تقطع المساحات باتجاه الجنوب، تقطع الفيافي وتطوي المساحات، كنت وأنا مغمض العينين أفكر بنصائح العجوز لترويض الخيل، وأسأل نفسي ترى هل أخطأت.؟ ومتى سترميني مهرتي إلى سحيق الموت، وبالمقابل كان الهواء يرفع شعر ناصيتها الطويل ليلامس وجهي وجبيني، كان ملمس شعرها أقرب الى نعناع بري يمرره هواء نيسان على روحي، ولكن الخوف كان شريكي، وفتحت عيني لأرى أين وصلت، وأغمضتها حين أدركت أني أجهل تلك الأرض كلها، وراحت مهرتي تخفف من عدوها، وتتباطئ حتى توقفت تماما، فتحت عيني وإذ بها قد لوت عنقها نحوي، وتحدق بعيني تماما، وأثر دمعة قد سال من تلك العيون السود. يا إلهي، ثم ترجلت عنها، وأخذت رأسها في حضني، كانت أنفاسها حارة، وتحمحم لي، ولوهلة كما لو أنني أفهم ما تقول، قبلت جبينها، ومسحت على رأسها، فأطلقت صهيلا فرحا، شممت من صوتها عذرية الفضاء إذ تهبط من علياء الود، والحنين، والشغف، كنت على مقربة من الساتر الترابي بين سوريا والعراق، وهذا يعني أنني قطعت ما يقرب من الاربعين كيلو مترا، وكل ما حولي صحراء ورمال وغبار خفيف.
وحين لاحظت أن مهرتي الكميت قد ارتاحت، امتطيت ظهرها، واستدارت من تلقاء نفسها وسلكت الطريق عينه رجوعا، ولم آبه برسن أو بعنق أشده نحوي، وجرت حرة كسنونوة من البرق، وحين وصلت بيادر القرية، لاحظ الجميع أن مهرتي حرّة الرأس وهي تجري، فلم يعلق أحد بشيء، وحده السائس العجوز قال: ” هي تحبك “. فقلت: ” وأنا كذلك ” فأردتها حرة، طليقة الرأس، تختار الفضاء والطريق لي ولها.
هي وحشة أن تلوي عنق المهرة لترويضها، وحشة الخيل تلك، ووحشة الضوء في روجآفايي كردستان، وحشة الشعوب، وثمة وحشة يختارها بعضهم بمحض حريتهم، يلوون أعناقهم أمام جهلة التاريخ، ولقطاء الأرض، فيمتطيهم أعراب النذالة في بلاد تكون الرؤوس فيها حرة على الأغلب.