يعيد
اعتقد أردوغان، مع بدايات الانتفاضات العربية، أن هناك فرصة أمامه لتحقيق حلم توحيد «ولايات» السلطنة. اعتقد أن هدف الانتفاضات هو إحياء التاريخ العتيق لهذه الدول، في الوقت الذي لم يكن لدى شبابها من حلم سوى التخلص من أنظمة أغرقت الشعوب والمجتمعات في مستويات منحدرة من الظلم والقمع وغياب العدالة والحريات. البعض اعتقد، في هذه الدول كذلك، أن ما أطلق عليه «النموذج التركي» ربما كان صالحاً للاستيراد: دولة مدنية يحكمها نظام ديموقراطي، يحترم الحاكم فيها مبدأ تداول السلطة. دولة حققت تقدماً اقتصادياً متميزاً بفضل سياسة انفتاح على الأسواق الشرق أوسطية والغربية. لا تنكر جذورها الإسلامية ولا تعتدي عليها، لكنها في الوقت ذاته تنظر بودّ الى جيرانها الأوروبيين، وتعمل جاهدة لتحقيق شروط الانضمام إلى ناديهم.
كل ما يرتكبه أردوغان اليوم يقضي على ما كان يمكن أن يقدمه هذا «النموذج» من إيجابيات. خطاب أردوغان لا يحيي في أذهان العرب سوى صور يحاولون محوها من البال لأشخاص مثل معمر القذافي وصدام حسين ومحمود أحمدي نجاد. إذ لا يختلف أردوغان عن هؤلاء بشيء عندما تتورّم أحلامه القومية، فيسابق كريستوف كولومبوس إلى اكتشاف أميركا، ويتهم بعض أبرز كتاب تركيا وأدبائها، مثل برهان ياموك وأليف شفق، بأنهما تحوّلا أدوات في يد «المؤامرة الغربية» على حزب «العدالة والتنمية»، لأنهما انتقدا القرارات التعسفية التي يتخذها الرئيس التركي ضد معارضيه. ولا يختلف أردوغان بشيء عن الحكام الذين خلعتهم الانتفاضات العربية عندما يعمل على تعديل الدستور لتوسيع صلاحيات منصبه الرئاسي، ولا يتردد نائب رئيس حكومته بولنت أريتش بإعلان أن حكومته قوية و «ستبقى في الحكم حتى يوم القيامة».
عن الحياة
تدفع تركيا اليوم ثمن النجاح الذي حققته تجربة حزب «العدالة والتنمية» خلال السنوات العشر الماضية. ربما كان هذا النجاح هو الذي يدفع أردوغان إلى هذا التهور الإمبراطوري الذي يجعله ينظر إلى معارضيه على أنهم خونة، وينشر مناخاً من الخوف لإرهاب كل من ينتقد سياسته وقراراته. يقول برهان ياموك، الحائز جائزة نوبل للآداب في حديث إلى صحيفة «حرييت» الأسبوع الماضي: تراجعت حرية التعبير إلى أدنى مستوى… الكل خائفون، وكثيرون من أصدقائي أخبروني أن صحافيين فقدوا وظائفهم. حتى الصحافيون المقربون من الحكومة يتعرضون للمضايقات.
جربنا في بلداننا الطريق الذي تهوي إليه البلدان نتيجة قمع حكامها لشعوبهم، تحت رايات الشعارات القومية والبطولات الوهمية وأحلام العظمة المنتفخة والتواريخ المزورة. انهارت المجتمعات وعمّ التخلف على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والتعليمية. ربما كانت في تركيا بقية من ديموقراطية تسمح بإزالة الكابوس الحالي وتصحيحه. لكن إغراق أردوغان لمؤسسات الإعلام والقضاء والأمن التركي في إجراءاته التعسفية يعيد تركيا إلى زمن عانت فيه من تسلط الجيش على مقدرات البلد، إلى أن عادت هذه الإجراءات نفسها اليوم على يد حاكم مدني يعتبر نفسه مسؤولاً وحيداً عن حاضر تركيا ومستقبلها، وعن كتابة تاريخها من جديد.