بقلم: شورش درويش
يحمل نادي آمد سبور (أو منتخب كردستان الشمالية وفق ما نشتهي) ملامح أتلاتيكو بلباو الباسكي، النادي الذي كانت مدرجاته مركزاً لتحديات الهوية القومية والثقافية لأرض الباسك بأقاليمه السبعة، وهناك في الباسك قمعت التعبيرات زمن ديكتاتورية فرانكو المديدة إلى درجة أن الديكتاتورية تدخلت في تغيير النادي المؤسَّس عام 1912وصيّرت اسمه من “أتلاتيكو” إلى “أتلاتيك”، وبالمثل كان لآمد سبور أسماء أخرى منذ عام 1974 إلى حين استرداده هويته المكانية باسم آمد عام 2014.
كان ألتراس بلباو يجيد بث أهواءه اليسارية والقومية في المدرجات رغم قمع ووحشية نظام فرانكو، ومع سقوط الديكتاتورية رفع الباسكيون علمهم منتصف السبعينيات، مثلما صار من حق جماهير آمد بعد حقب طويلة من التحديات ارتداء زيّ رياضيّ يتوافق مع ألوان العلم الكرديّ.
كان لجماهير بلباو الكلمة والدور في عملية السلام الإسبانية الباسكية، ثمة هاجس متصل بدور لجماهير آمد سبور في صياغة وحماية الهوية الكردية انطلاقاً من المدرّجات. في تجارب كثيرة من الكولسيوم الروماني وحتى ملاعب كرة القدم، كان اختيارك لبطلك ومن يمثلك في النزال، أحد تمثّلات الهوية. مثلما كان نادي الأهلي المصري هو نادي الوطنية المصرية زمن الاحتلال الإنكليزي..
غلاطة سراي
في التسعينيات كان الأقنية التركية تبث كرة قدم محترفة ومختلفة عمّا نشاهده في التلفزة السورية، كان الدوري السوري عبارة عن ملاعب موحلة شتاءً، أو أرضيات تارتان رديئة، أو ملاعب نصف معشّبة يمكنك رؤية الغبار خلف الشاشة، وجماهير ترفع صور القائد الأسد ومعلّقين يكررون محفوظات مستلة من قاموس عدنان بوظو التعليقي. بدأنا نتابع الدوري التركي، وقتذاك كانت بعض الشبيبة الكردية تشجع غلاطة سراي لأن لاعبي النادي يرتدون الأصفر والأحمر، الثياب الأقرب لعلم الكرد. لكن، فجأة، أضاف النادي سراويل سوداء فتغيّر مشهد النادي برمته في أنظارنا. لا أعلم إن كانت حركة السروال الأسود مقصودة أم لا، لكن هذا متوقع في بلد كانت إشارات مروره تضع الأزرق عوض الأخضر لئلا تتشابه الإشارات براية الكرد: الأحمر، الأصفر، الأخضر.
لم يكن للكرد فريق يمثّلهم، ولا ثياب تقرّبهم إلينا.
باختصار: كان دوري الأتراك البيض. لا مكان فيه للكرديّ.
نادي الجهاد: الكرد بالأبيض والأسود
في التسعينيات قمت بتشجيع فريق بيشكتاش، لأن زيّه الرسمي يتطابق مع زيّ نادي الجهاد، لا أعرف سبباً آخر لذلك التشجيع. بالأمس هزمنا بيشكتاش، هذا أمر يسعد جمهور الجهاد وأنا منهم.
بدأ الجهاد باسم نادي الرافدين السرياني منتصف الثلاثينيات، إلى أن حظره نظام الوحدة زمن عبد الناصر. (يحكى أن عبد الناصر عندما زار القامشلي زمن الوحدة استقبله الكشّاف السرياني، وبدل أن يأخذه بروتوكول الكشّاف بالإعجاب بانضباطهم قام بحظرهم لأنهم يمثّلون قاعدة لجيش مصغّر على ما تقوله سرديات السريان).
على أي حال تغيّر اسم النادي زمن الانفصال، بعد أن عاد إلى الحياة، إلا أن نظام البعث قرر مطلع السبعينيات ( 1972) تغيير أسماء الأندية، بذا حلّ اسم الاتحاد بدل الأهلي، والفتوة بدل غازي، والجهاد بدل الشبيبة، والجلاء بدل شبيبة الكاثوليك، واليرموك بدل هومنتمن (الأرمني) ووضعت أسماء الأندية على هدي قاموس البعث: الوحدة والحرية والمجد وتشرين….(ومن المثير خروجاً عن النص أن يسمّى أحد أشهر أندية حمص بالوثبة، وهي مفردة لم يكن يستخدمها ميشيل عفلق واستبدلها متعمّدا بكلمة “انقلاب”، يبدو أن بعثياً كسلاناً لم يقرأ لعفلق أطلق هذا الاسم الذي استخدمه عروبيو العراق).
بالعودة إلى نادي الجهاد، كان النادي يمثّل الوجدان الكردي في ظل القمع الأسدي، فكان التحدّي عبر الأغاني، فعلى المدرّجات أيام الصبا سمعت هدير المشجّعين الكرد يصدحون بأغنية مثّلت في وجداني نظيراً للنشيد الكرديّ رغم اختلاف المعنى برمته، سمعتهم يهتفون: Çoxê Mino ..
كنت قد سمعت عن جيل سبقني أن زيّ الجهاد ما كان بالأبيض والأسود، لكنّ حادثاً مأساوياً تعرّض له الفريق أفضى إلى ارتدائهم ألوان الحداد هذه، والحادثة حصلت قبل مأساة رحيل هيثم كجو بحادث سير بنحو عقد تقريباً. ربما آن للجهاد آن يغيّر ألوان حداده.
مع دويّ نجم الجهاد، برز في سماء الكرد نادي عفرين، والآن يظهر ناديّ القامشلي سبور (الهلال)، رغم أن لا شيء يعوّض سحر نادي الجهاد.
على المدرّجات تبرز الهوية الكردية مرة أخرى من آمد إلى زاخو فقامشلو…كرة القدم ستعلّمنا الكثير وستهديّ الكرديّ مساحةً للوحدة الشعبية والسعادة مثلما حدث البارحة مع فوز آمد سبور وتصدّره الدوري التركي.
الصورة المرفقة لجماهير آمد تستذكر الشهيد طاهر آلجي نقيب محامي ديار بكر.