محمد سيد رصاص
في مساء يوم الثلاثاء 25 آب/ أغسطس 2026 أعلن السيد مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عن اكتمال عملية اندماج (قسد) في الجيش السوري، تطبيقاً لاتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026 بين الحكومة السورية و(قسد)، والذي يتضمن أيضاً في المادة التاسعة منه “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية وتثبيت الموظفين المدنيين العاملين في تلك المؤسسات”، وفي المادة 13 “العمل مع وزارة التربية والتعليم لمناقشة المسار التعليمي للمجتمع الكردي ومراعاة الخصوصية التعليمية”، في إشارة للمرسوم الرئاسي رقم 13 (16 الثاني/ يناير 2026) الذي ينص في المادة الثالثة منه على أنه “تُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان”.
هنا، يمكن القول بأن هذا الحدث الذي جرى في القصر الرئاسي بدمشق هو حدث فارق يجعل سوريا بعده تفترق عن ما كانت قبل يوم حدوثه، فهو أول دخول للكرد السوريين، ككتلة اجتماعية، في مؤسسات الدولة السورية، بعد أن كانوا منذ الاستقلال عام 1946 في وضعية (فئة المحرومين)، وهي التسمية التي أطلقها السيد موسى الصدر على شيعة لبنان عند تأسيسه لـ (حركة المحرومين) عام 1974 التي كانت النواة لـ (حركة أمل).
بل، وأيضاً، يمكن القول أنه أهم حدث سوري منذ سقوط نظام بشار الأسد في يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.
ولكن هل هو حدث سوري محض من حيث بيئة حدوثه ومن حيث معانيه وأبعاده؟..
في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 انتقلت سوريا إلى المدار الأميركي، بعد أن كانت في مدارات أخرى منذ يوم 8 آذار/ مارس 1963، وآخرها المدار الروسي – الإيراني. كانت (قسد) منذ تأسيسها عام 2015، وقبلها وحدات حماية الشعب، هي الحليف السوري الوحيد للولايات المتحدة في الحرب ضد (داعش) البادئة عام 2014. وعندما أصبحت دمشق في المدار الأميركي كان المسار حتمياً وإجبارياً ومنطقياً، ولو كان طريقه وعراً، لعملية اندماج القامشلي معها، وكان الطريق لذلك هو (اتفاق 10 آذار/ مارس 2025) ثم (اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير). وقد كانت قراءة السيد مظلوم عبدي للرياح الدولية الجديدة في سوريا ما بعد بشار الأسد على تفارق مع القراءات الخاطئة للرياح الدولية التي قام بها الكرد في تاريخهم الحديث، مثلما فعل قاضي محمد، في جمهورية مهاباد في إيران 1945-1846، عندما وضع أوراقه كلها في سلة ستالين، ثم انهارت جمهورية مهاباد لما قايض زعيم الكرملين انسحاب القوات السوفياتية من إيران مقابل قبول الرئيس هاري ترومان بواقع الوجود السوفياتي في أوروبا الشرقية، أو مثلما حصل مع الملا مصطفى البرزاني الذي وضع أوراقه في السلة الأميركية – الإيرانية ثم انهار كل شيء عنده في (اتفاقية الجزائر) عام 1975، التي دفعت واشنطن شاه إيران إلى عقدها مع العراق، الذي أراد هنري كيسنجر إبعاده عن موسكو، كما جرى في السنة السابقة مع مصر أنور السادات الذي اتجه إلى المدار الأميركي، وكاد أن يفعلها كيسنجر آنذاك مع حافظ الأسد لما وافق على دخوله العسكري للبنان في عام 1976، ذلك التدخل الذي عارضه السوفيات نصرة للمقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني.
هذه القراءة الصحيحة للرياح الدولية التي قام بها السيد مظلوم عبدي هي امتداد لقراءة السيد عبدالله أوجلان التي دفعته للتعامل الإيجابي مع مبادرة دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومية في تركيا، التي أطلقها في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، تجاه حزب العمال الكردستاني، وتجاوب معها السيد أوجلان في 27 شباط/ فبراير 2025. تلك المبادرة التي أعلن عنها بهجلي، بتأييد من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بهدف إطلاق عملية سلام في جمهورية مصطفى كمال أتاتورك، التي كان الشرخ التركي – الكردي سبباً رئيسياً في وضعها المضطرب منذ تأسيسها عام 1923. وعلى الأرجح، وكل وقائع العام الماضيين تشي بذلك، أن مبادرة بهجلي هي من أجل إنشاء “تركيا الجديدة”، لتكون قادرة على القيام بالدور الإقليمي الجديد المطلوب أميركياً من أنقرة، بعد أن بدأ شهر العسل الأميركي – التركي من جديد في عام 2024، في قراءة من الدولة التركية العميقة، التي يمثلها الحزب الطوراني الذي يرأسه بهجلي، بأن استمرار الشرخ التركي – الكردي يعيق الدولة التركية، بل ويمنعها من القيام بهذا الدور المطلوب أميركياً، والذي ظهرت ترجماته بعامي 2025 و2026 في دمشق وغزة وفي منطقة القفقاس وفي “اتفاقية مكة”.
من دون ما جرى في جزيرة إيمرالي بتاريخ 27 شباط/ فبراير 2025 لا يمكن تفسير اتفاق 10 آذار 2025، كما أنه من دون ما جرى في 8 كانون الأول 2024، بسقوط نظام بشار الأسد، لا يمكن تفسير هذا الاتفاق، فكلا التاريخين المذكورين جعل التاريخ سالكاً نحوه. وأيضاً هنا فإن حرص السادة أوجلان – أردوغان – بهجلي على الحؤول دون توسع معارك الشيخ مقصود ودير حافر إلى شرق الفرات، الأمر الذي كان من شأن وقوعه أن يقود إلى اقتتال واسع النطاق يهدد بتقويض عملية السلام في تركيا، قد كان هو الآخر عاملاً مهماً دفع باتجاه توقيع اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026، بالتوازي مع العامل الأميركي الرئيس في الدفع نحو ذلك الاتفاق، خاصة وأن واشنطن ليست بعيدة عن عملية السلام في تركيا، وليس صدفة أن السفير الأميركي في تركيا توم باراك هو المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا (ثم لاحقاً العراق أيضاً).
كتكثيف: في كتابات السيد عبد الله أوجلان هناك إشارات عديدة إلى تحالف الزعيم الكردي إدريس البدليسي مع السلطان سليم الأول في معركة جالديران عام 1514 ضد إسماعيل الصفوي، الذي أسس الدولة الصفوية التي قامت بفرض التشيع في إيران وحاولت الامتداد غرباً إلى الأناضول والعراق، وكيف أن هذا التحالف كان تحالفاً تأسيسياً حفظ الدولة العثمانية لقرون لاحقة، وكيف أن أتاتورك قد أنشأ الشرخ التركي – الكردي مع تأسيس جمهورية 1923.
البعض قال إن “دور الشيعة في الرقصة الأميركية قد بدأ في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001″، وهو ما تجسد لاحقاً في التحالف الأميركي – الإيراني في أفغانستان 2001 والعراق 2003، ثم في غضّ الرئيس الأميركي باراك أوباما النظر عن التمدد الإيراني في عموم منطقة الشرق الأوسط في الفترة التي سبقت وأعقبت اتفاق 2015 النووي مع خامنئي.
يبدو أن دور السُّنّة في الرقصة الأميركية قد بدأ في مرحلة ما بعد هجمات 7 أكتوبر 2023: من دون هذا لا يمكن تفسير مبادرة بهجلي، وهو زعيم الحزب الطوراني الذي يؤمن “بعالم تركي يمتد من بحر إيجة إلى تركستان الصينية”، وتراه واشنطن ميداناً للعب ضد الصين وروسيا وإيران، ولا يمكن أيضاً تفسير سقوط نظام بشار الأسد، ولا شهر العسل الأميركي – التركي الجديد.
المصدر: المركز السوري للدراسات