بقلم: إيفان تيموفييف المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية.
ترجمة الدكتور سليمان الياس – مركز الفرات للدرسات
في بداية الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، حددنا سبعة دروس رئيسية للصراع الجديد. لاحظنا أن العقوبات يتبعها استخدام القوة العسكرية؛ وأن الضغط على إيران سيكون طويل الأمد؛ وأن التنازلات للمهاجم غير مجدية؛ وأن قادة الدولة المستهدفة يصبحون أهدافًا مهمة؛ وأن الاضطرابات الداخلية تشجع التدخل الخارجي؛ وأن دعم الدول الصديقة مهم للدولة المستهدفة، ولكنه لا يحل مشاكلها؛ وأخيرًا، يبقى توازن القوى هو المفتاح لحل القضايا الأمنية. إن الرد على القوة بالقوة وسيلة بدائية ولكنها فعالة لوقف التصعيد. والآن، وقد يبدو الصراع متوقفًا مؤقتًا، يمكننا استخلاص دروس جديدة، حتى مع إدراكنا أن هذا التوقف سيكون على الأرجح مؤقتًا.
الدرس الأول: يمكن لقوة عظمى أن تتراجع
لا يُمكن وصف هذا الدرس بالجديد بالمعنى الدقيق، بل هو أقرب إلى التكرار. فقد شهد التاريخ الحديث العديد من الأمثلة المشابهة. حيث قلّصت الولايات المتحدة وجودها العسكري الطويل الأمد في أفغانستان. وقبل ذلك، أنهى الاتحاد السوفيتي حملته الأفغانية. وقبل ذلك أيضاً، اضطرت الولايات المتحدة للانسحاب من فيتنام. وفي أزمة الخليج الأخيرة، ألحقت الولايات المتحدة وإسرائيل أضراراً جسيمة بإيران، لكنهما فشلتا في سحق العدو، واعتُبر التصعيد الإضافي عبر عملية برية محفوفاً بالمخاطر. وكانت النتيجة التراجع عن هدف سحق العدو والتحول إلى الدبلوماسية. ومن هنا يأتي الدرس الثاني.
الدرس الثاني: الدبلوماسية فعّالة، والتسوية ممكنة
شكّل القرن العشرون تجربةً مؤلمةً للحروب التي انتهت بهزائم ساحقة. انتهت الحرب العالمية الأولى بانهيار أربع إمبراطوريات على الأقل. وأسفرت الحرب العالمية الثانية عن هزيمة كاملة لدول المحور، التي لا تزال سيادتها محدودة حتى يومنا هذا نتيجةً لتلك الحرب. وانتهت الحرب الباردة بالهزيمة السياسية وتفكك الاتحاد السوفيتي. وأدت العديد من العمليات العسكرية المحلية إلى تفكك أو تغيير الأنظمة في البلدان التي تعرضت للهجوم، بما في ذلك يوغوسلافيا والعراق وسوريا وليبيا. أما الحالات التي تم فيها حل النزاعات عبر تسوية دبلوماسية على غرار القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد أصبحت نادرة.
إن الصدام مع إيران يعيد الدبلوماسية التقليدية إلى الواجهة.
فمن الواضح أن القضايا التي أدت إلى النزاع لا تزال عالقة. ومع ذلك، فقد توصل الطرفان إلى حل مؤقت على الأقل من خلال المفاوضات والتنازلات الملموسة. واضطرا إلى النظر إلى بعضهما البعض كمفاوضين شرعيين، معترفين، طوعاً أو كرهاً، بأنهما متساويان رغم تفاوت قوتهما.
الدرس الثالث: مدى تحمل الخسارة يحدد النتائج
يُعدّ مستوى الخسائر والاستعداد لتحمّلها من أهم العوامل في المواجهات العسكرية. وقد أظهر تاريخ القرن العشرين طرفي نقيض. فمن جهة، هناك حروب عالمية بلغت خسائرها حدًّا لا يُطاق. ومن جهة أخرى، هناك نزاعات محلية، حيث شكّلت الخسائر بحد ذاتها عاملًا حاسمًا في زوالها. وهذا ما تُجسّده التجربة الأمريكية في فيتنام. فبعد انتهاء الحرب الباردة، اتسمت العمليات الغربية المحلية بخسائر قليلة نسبيًا. أما الخسائر الروسية في حروب شمال القوقاز بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فكانت كبيرة، وساهمت في وقف إطلاق النار الذي أعقب “الحرب الشيشانية الأولى”. ومع ذلك، فقد مكّنت الاستنتاجات المستخلصة من تقليل الخسائر في “الحرب الشيشانية الثانية”. حيث تُظهر تجربة أزمة الخليج العريي كلا النموذجين.
لا ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل في قبول خسائر متزايدة، كتلك التي قد تنجم عن عملية برية، دون ثقة كافية في نجاحها. في المقابل، أظهرت إيران عزمها على قبول الخسائر. فلم تزعزع الخسائر في صفوف المدنيين ولا مقتل عشرات الشخصيات السياسية البارزة عزيمة إيران على الدفاع عن نفسها.
الدرس الرابع: هامش الأمان مهم
دعونا نلقي نظرة أخرى على القرن العشرين حيث دخلت القوى العظمى الحرب العالمية الأولى بهامش أمان ضئيل، غير متوقعة مصاعب وتكاليف حرب مستقبلية. بدأت الحرب العالمية الثانية بين معسكرات عسكرية مُعبأة، مُستعدة إلى حد كبير للحرب وتعتبرها حتمية. أما الحرب الباردة فهي قصة تراكم هامش أمان، وما ترتب عليه من أثر السقوط في فخ الحرب. كان اقتصاد الاتحاد السوفيتي مُهيأً تمامًا لحرب عالمية، لكن في ظل الانفراج التدريجي، لم تكن مرونته ضرورية. بعد انتهاء الحرب الباردة، انخفضت الآلات العسكرية لخصوم الأمس بشكل ملحوظ. حتى في الولايات المتحدة – أكبر قوة عسكرية انتصرت في الحرب الباردة – سيكون من الصعب استعادة مستويات الإنتاج السابقة من المعدات والذخيرة والإمدادات الأخرى لطالما استعدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمواجهة العسكرية المفتوحة عبر تاريخها. ويعود بقاء إيران في الصراع الحالي، إلى حد كبير، إلى التنظيم الفريد لقواتها المسلحة وقواتها الأمنية، فضلاً عن نظامها الاقتصادي المتكامل. قد يبدو هذا النظام، في الظروف السلمية العادية، غير مربح، ومكلفاً للغاية، وغير متوازن، ومعقداً. إلا أنه أثبت جدارته في ظل الظروف الاستثنائية. مع الإشارة إلى أن إسرائيل تعيش أيضاً في حالة تعبئة عسكرية مستمرة. وقد بنت الدولة نموذجها الاقتصادي العسكري الخاص، وإن كان قائماً على مبادئ مختلفة. فالدول التي تضم معسكرات عسكرية تعود إلى الساحة السياسية العالمية. حيث تتخذ الصين خطوات فعّالة لتعزيز قدرتها على الصمود، وتحذو الدول الغربية حذوها تدريجياً. وقد اضطرت روسيا وأوكرانيا إلى أن تصبحا دولتين من هذا القبيل بسبب الصراع، حيث يبدو أن أوكرانيا قد بلغت ذروة التسلح، بينما لا تزال روسيا أمامها مجال واسع للنمو.
الدرس الخامس: الأسلحة النووية تقرر و. ….لا تقرر
يُعدّ الخوف من تحوّل إيران إلى قوة نووية أحد الأسباب الرئيسية طويلة الأمد التي دفعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى احتواء البلاد. فلو أصبحت إيران قوة نووية مثل كوريا الشمالية، لكان من الصعب شنّ هجوم جريء كهذا. ويمكن لخصوم إيران أن يعزو نجاح الحملة العسكرية إلى تأخير حصول طهران على الوضع النووي.
في الوقت نفسه، لم تنظر الولايات المتحدة ولا إسرائيل إلى استخدام الأسلحة النووية كأداة لتصعيد الموقف أو كوسيلة لهزيمة إيران. ومع ذلك، فإن كلا القوتين قادرتان تقنيًا على شن ضربة نووية واسعة النطاق ضد خصم، فضلًا عن ضربات معزولة وموجهة برؤوس حربية تكتيكية. وإلى جانب الإدانة الواضحة لمثل هذه الخطوة من قبل العديد من الدول، فقد كانت محفوفة بالمخاطر أيضًا لأنها قد لا تؤدي ببساطة إلى النصر. كان لدى إيران كل فرصة للحفاظ على الاستقرار والسيطرة حتى في حالة وقوع ضربات نووية متعددة وتدمير مدن وبنية تحتية منفردة. علاوة على ذلك، كان من الممكن أن يصل تصميمها على القتال إلى مستوى جديد نوعيًا وغير متوقع.
فمن الناحية النظرية، يمكن استخدام الأسلحة النووية، ولكن حتى لو تسببت في دمار هائل، فلن تؤدي بالضرورة إلى هزيمة الدولة المستهدفة وتدميرها، خاصةً إذا كانت هذه الدولة قد استعدت لعقود لصد الهجوم.
يُثير هذا الوضع حالةً من عدم اليقين. فمن جهة، تتضاءل الأهمية السياسية للأسلحة النووية في بعض أنواع النزاعات (وليس جميعها). ومن جهة أخرى، يزداد الإغراء باستخدامها لمجرد إلحاق الضرر. وقد يشهد هيكل الردع النووي نفسه تغييرات في ظل الثورة التي يشهدها المجال العسكري.
الدرس السادس: حرب المعلومات واسعة النطاق، لكن نتائجها محدودة
تُتيح تكنولوجيا المعلومات الحديثة فرصًا هائلة للدعاية والضغط المعنوي والنفسي على العدو. فقد كان الصراع في الخليج العربي غير متكافئ بشكل واضح، إذ تمتلك الولايات المتحدة قدرات معلوماتية متفوقة، نظرًا لسيطرتها على وسائل الإعلام العالمية وريادتها التكنولوجية. ربما ساهم هذا في زعزعة استقرار الوضع في إيران عشية الحرب، لكنه لم يلعب دورًا حاسمًا. فشلت الصور العديدة للغارات على إيران في كسر إرادة المقاومة. كما كان تأثير إيران المعلوماتي على العدو محدودًا. ومن الجدير بالذكر انتشار الأخبار المزيفة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي. لا تسمح جودة هذه “المنتجات” بعدُ بأن تصبح سلاحًا عالميًا. يُصبح العنصر المعلوماتي عنصرًا حاسمًا في صراعات أخرى، بما في ذلك أوكرانيا.
الدرس السابع: استراتيجية الخروج أكثر تعقيدًا من استراتيجية الدخول
من السهل بدء حملة عسكرية، لكن من الصعب للغاية إنهاؤها، خاصةً إذا لم تتحقق الأهداف الأولية. هذا هو تحديدًا الموقف الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها فيه بعد فشل محاولتها سحق إيران بالضربات الجوية. التراجع والتسوية لهما ثمن باهظ ومحفوفان بمخاطر سياسية داخلية. قد يُنظر إلى مجرد التفاوض بعداء من قِبل العامة والمعارضة السياسية كعلامة ضعف، فضلًا عن أي تنازلات. لقد أثبتت الولايات المتحدة قدرتها على التراجع إذا كانت تكلفة التصعيد باهظة، مع إدراكها أن النهاية لم تُحسم بعد وأن الأسلحة ستُستخدم مجددًا في الوقت المناسب. حيث باتت استراتيجية الخروج من الصراع مهمة دبلوماسية وتقنية معقدة. لم تسحق الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، لكنهما حاولتا الانسحاب من الصراع في الوقت المناسب. أما إيران، فقد صمدت، لكنها تمكنت من تجنب إطالة أمد الحرب بشكل كارثي في الوقت المناسب. سيكشف الزمن عن مدى استدامة نتائج هذه الاستراتيجيات.