حسن قاسم
تثير جولة المبعوث الأميركي في المنطقة جملة من التساؤلات الحساسة، لا سيما أنها تأتي في توقيت بالغ التعقيد، حيث تتشابك ملفات العراق وسوريا وتركيا وإيران ضمن مشهد إقليمي يعاد تشكيله على نار هادئة. ومن الواضح أن واشنطن لا تتحرك اليوم بمنطق إدارة الأزمات فقط، بل بمنطق إعادة هندسة التوازنات بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة.
في العراق، يبدو أن ملف سلاح الميليشيات يحتل موقعاً متقدماً في أجندة باراك. فواشنطن تدرك أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة يهدد استقرار العراق ويضعف مشروع الدولة الوطنية. لكن السؤال الأهم: هل تمتلك الولايات المتحدة الإرادة الكافية لتفكيك هذا الملف، أم أنها ستكتفي بإعادة تنظيمه واحتوائه؟
المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن لا تريد مواجهة مفتوحة مع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، لكنها في الوقت ذاته تريد تقليص نفوذها وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً سياسية وأمنية لإعادة تعريف دور هذه القوى، وربما دمج بعضها ضمن مؤسسات الدولة بشروط جديدة.
غير أن قراءة تحركات باراك لا يمكن فصلها عن العامل التركي. فأنقرة باتت لاعباً مركزياً في حسابات واشنطن الإقليمية، خصوصاً بعد الحرب في غزة والتوتر مع إيران. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تتحرك واشنطن اليوم بما يخدم الأجندة التركية؟
الواقع أن جزءاً من التحركات الأميركية يتقاطع فعلاً مع المصالح التركية، خاصة في سوريا والعراق، حيث تعتبر تركيا أن أي مشروع قومي كوردي مستقل يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. لكن هذا لا يعني تطابقاً كاملاً؛ فواشنطن تنظر إلى تركيا كحليف وظيفي، لا كصاحب قرار نهائي.
أما بالنسبة للكرد، وهم الحليف الأكثر ثباتاً للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية ، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً. الكرد دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة الإرهاب، وقدموا نموذجاً مستقراً نسبياً في إدارة مناطقهم، سواء عبر حكومة اقليم كردستان أو عبر الإدارة الذاتية في روجافاي كردستان .
لكن السياسة الأميركية، كما أثبتت التجارب، تحكمها المصالح لا الالتزامات الأخلاقية. ولذلك فإن مستقبل الكرد مرهون بقدرتهم على تحويل تضحياتهم العسكرية إلى مشروع سياسي متماسك، لا بالاكتفاء بدور الحليف الميداني.
في هذا السياق، يثار جدل واسع حول ما يسمى بـ”الاندماج الديمقراطي”. من حيث المبدأ يبدو المفهوم جذاباً، لكنه في التطبيق قد يتحول إلى صيغة ناعمة لصهر الهوية القومية للكرد داخل بنية مركزية جديدة تعيد إنتاج الإنكار التاريخي للحقوق القومية. فالاندماج إذا لم يقترن باعتراف دستوري واضح بالشراكة القومية واللامركزية السياسية، فإنه يصبح مجرد إعادة تدوير للحكم المركزي بأدوات حديثة.
أما فيما يتعلق بملف حل الميليشيات، فمن الخطأ وضع قوات البيشمركة في السلة نفسها. البيشمركة ليست ميليشيا طارئة، بل مؤسسة عسكرية دستورية معترف بها في العراق، ولها شرعية قانونية وسياسية ودور تاريخي في حماية إقليم كردستان ومكافحة الإرهاب. وبالتالي فإن أي مشروع لإعادة تنظيم السلاح في العراق لا يمكن أن يشمل البيشمركة إلا ضمن إطار التنسيق الدفاعي الاتحادي، وليس التفكيك أو الإلغاء.
في النهاية، يبدو أن جولة باراك تحمل رسائل متعددة: ضبط السلاح في العراق، تهدئة الجبهات مع إيران، طمأنة تركيا، وإعادة ترتيب المشهد السوري. لكن وسط كل هذه الحسابات، يبقى السؤال الكردي مفتوحاً: هل ستختار واشنطن البراغماتية على حساب حلفائها، أم أنها ستدرك أن استقرار المنطقة يبدأ بالاعتراف بحقوق شعوبها، وفي مقدمتهم الكرد؟
الجواب لم يتضح بعد، لكن التاريخ يقول إن الشعوب التي لا تحمي مشروعها بنفسها، غالباً ما تتحول إلى بند مؤجل في دفاتر القوى الكبرى.