حين يُخطِئُ الاسمُ طريقَهُ إلى الدفتر

(سِفرُ الطفولةِ التي تعلَّمت أن تُثبِتَ وجودَها بالحجر)

عمران علي (دوست)

بَلَغَ رۆژار عامَهُ العاشر، لا كما تَبْلُغُ الأعمارُ أرقامَها في دَفاترِ النُّفوس، حيثُ يُصافحُ الحبرُ الخاتمَ  تطمئنُّ السنينُ إلى أنَّها مُعترفٌ بها، بل كما تبلُغُ الشقوقُ أعمارَها في جدارٍ تُرِكَ طويلاً للرّيح: ببطءٍ أعمى، وبإصرارٍ لا شاهدَ له، وبلا يدٍ تُوقِّعُ على ما تفعلهُ التعريةُ في الصمت.

لم يَأتِ عمرُهُ من بابٍ، ولم يُسلِّمْ على أحد، ولم يقلْ: ها أنا صرتُ عشراً.

تسرَّبَ فيه خلسةً، كما يتسرَّبُ الماءُ في العظم، أو كما يتسرَّبُ الغيابُ في صوتِ الأمِّ حين تُنادي ثم تتذكَّرُ أنَّ النداءَ لا يُغيِّرُ السجلات.

وكانت المدرسةُ، في الجهةِ الأخرى من الصباح، ما تزالُ قائمةً في مكانِها كفكرةٍ لا تشيخ، كمرفقٍ باردٍ محفوظٍ من التهالكِ الذي يصيبُ الوجوهَ لا الجدران. كانت تقفُ هناك لا بوصفِها بناءً من إسمنتٍ ونوافذ، بل بوصفِها نظاماً كاملاً من الاعتراف، حصناً يُفتحُ لِمَن يحملونَ أوراقَهم كما يحملُ الجنودُ كلماتِ السرّ، ويُغلَقُ في وجهِ الذين يكبرونَ بلا وثيقة، بلا رقم، بلا ما يُقنعُ الجدارَ أنَّ هذا الجسدَ قد عبرَ من طفولةٍ إلى أُخرى وفقَ الشروطِ اللازمة.

وكان رۆژار يَكبرُ خارجَ الزمنِ الرسميّ، خارجَ الساعاتِ التي تُقاسُ برنّةِ الأجراس، وخارجَ التقاويمِ التي تُعلَّقُ على الجدرانِ ثم تُنزَلُ آخرَ السنة كما تُنزَلُ جلودٌ عتيقةٌ عن هياكلِها.

يكبرُ وحدَه، كطفلٍ أُزيحَ إلى هامشِ الصفحةِ بعدَ أن اكتملَ النصُّ، طفلٍ لا صباحَ يستدعيه، ولا دفترَ يفتحُ نفسَه ليقولَ: كان حاضراً، ولا تاريخَ ميلادٍ يُثبَّتُ بمسمارٍ في الحائطِ ليشهدَ أنَّ الكائنَ بدأ اسمَهُ هنا.

كان نهارُهُ ينهضُ من غيرِ إعلان، يَمشي من غيرِ ترتيب، ويسقطُ مساءً دونَ أن يسألهُ أحد:

–        ماذا تعلَّمت؟

وكانت العاشرةُ تمرُّ عليه كما تمرُّ غيمةٌ فوقَ أرضٍ لا تدخلُ خرائطَ الطقس: تظلّلُها لحظةً، ثم تمضي، تاركةً في الجسدِ ثِقَلاً لا يُرى؛ ثِقَلَ عمرٍ يُضافُ إلى العظم، ولا يُضافُ إلى الاسم.

وفي كلِّ صباحٍ كان يقفُ على حافّةِ الطريق، لا ليعبرَ، بل ليشهد.

وكان أصدقاؤه يمرّونَ محمّلينَ بالكتب، والكتبُ في أيديهم لم تكن تبدو كتباً، بل مفاتيحَ صغيرةً تَرِنُّ بلا صوت، مفاتيحَ لأبوابٍ لا يَعرفُ أين تُفتح، ولا لِمَن تُفتح، لكنه يَعرفُ شيئاً واحداً فقط: أنَّها تُغلقُ في وجهِه قبلَ أن يقترب.

وكان ينظرُ إليهم كما يُنظرُ إلى قطارٍ يَعرفُ جهتَهُ ولا يُبطِئ، قطارٍ لا يلتفتُ إلى الذين تأخّروا عن الرصيف، أو وُلدوا أصلاً خارجَ جدولِ الوصولِ والمغادرة.

وكانت الحقائبُ على ظهورِهم تُحدِثُ خشخشةً خفيفة، كأنَّها تُخبرُ الهواءَ أنَّها ذاهبةٌ إلى مكانٍ مُعتَرَفٍ به، إلى زمنٍ مُسجَّل، إلى صباحٍ له اسمٌ وخانةٌ ورقْمُ صفّ.

وكان يرى الكتبَ تتأرجحُ مع خُطواتِهم، ويتخيّلُ داخلَها أصواتاً تتدرّبُ على الخروج: حروفاً تصطفُّ في طوابيرَ منضبطة، كلماتٍ تعرفُ متى تبدأُ ومتى تنتهي، جملاً لا تتعثّرُ في الطريقِ إلى المعنى.

أمّا هو فكان خارجَ هذه الحركة، خارجَ هذا التواطؤِ اليوميّ بينَ الورقِ والوقت، يلتقطُ بعينَيه ما يتساقطُ من المشهد: ظهرَ صديق، طرفَ حقيبة، ظلَّ كتابٍ يمرُّ سريعاً ثم يختفي، كما لو أنَّ المعرفةَ لا تُرى كاملةً لِمَن كُتبَ عليه أن يكونَ في الخارج.

ولم يَغِرْهُم، ولم يَحسدْهم، على الأقلّ لا بالطريقةِ السهلةِ التي يشرحُ بها الناسُ حسرتَهم على أنفسِهم.

كان يحاولُ فقط أن يفهم: كيف يمرُّ العمرُ معهم محمولاً على الكتب، موزَّعاً على الحصصِ والأيامِ والدفاتر، فيما يمرُّ به ماشياً، حافياً، بلا دليل، بلا جدول، بلا شهادةٍ تُمسِكُهُ من كتفِه وتقولُ: هذا عامُك العاشر، وهذا مقعدُه، وهذه حروفُه الأولى.

وفي يومٍ بلا تاريخٍ واضح، يومٍ انزلقَ من بينِ الأيّام كما تنزلقُ حبّةُ قمحٍ من كفٍّ متعبة، قرَّرَ أن يقترب.

ولم يَكُنِ القرارُ فكرةً مكتملة، بل رَجفةً في الجسد، نزوةَ قدمَين اتفقتا سرّاً على خيانةِ الوقوفِ الطويلِ في الهامش.

تسلَّلَ نحوَ المدرسة، لا بخطواتٍ واثقة، بل بزحفاتٍ خفيفة، كمن يخشى أن يسمعَ ظلُّهُ نفسَه.

وكان الجدارُ الخارجيُّ أطولَ ممّا هو في الحقيقة، لا لأنَّه ارتفعَ، بل لأنَّه صار فجأةً حدّاً بينَ عالمَين: عالمٍ يُسمحُ له بالدخول، وعالمٍ كُتبَ عليه أن يبقى في الخارج مهما كبرَ ساكنوه.

لم يكن يريدُ الجلوس؛ فالجلوسُ امتياز، والامتيازُ يحتاجُ إلى إذن.

ولم يكن يريدُ دفتراً ولا قلماً ولا اسماً على لائحةٍ خلفَ مكتبٍ خشبيٍّ متآكل.

كلُّ ما أرادهُ أن يسمع.

أن يلتقطَ الصوتَ قبلَ أن يسقط، أن يسرقَ الحروفَ كما يُسرَقُ الخبزُ عند الجوع: بسرعة، بخشية، وبذنبٍ غامض، لا لأنَّ السرقةَ خطأ، بل لأنَّ الجوعَ نفسه لا يُعترَفُ به إذا لم يكن لهُ إثبات.

اقتربَ من النافذة.

كان الزجاجُ مُغبَّشاً بأنفاسِ أطفالٍ آخرين، بأصابعَ رسمتْ دوائرَ ثم اختفت، كأنَّ الصغارَ في الداخل كانوا يتركونَ على الزجاجِ آثارَ وجودِهم لتشهدَ عنهم حين لا تكونُ الشهادةُ مطلوبة.

ومن الداخلِ كان صوتُ القراءةِ ينسابُ بثقةٍ لا تعرفُ أنَّها مسموعة، صوتاً مستقيماً يعرفُ حقَّهُ في الخروج، يعرفُ أنَّه ابنُ المكان، وأنَّ الهواءَ ممرُّهُ المشروع.

ولم تصلْهُ الحروفُ كاملةً؛ جاءتْ مكسورة، متداخلة، كأنَّها عبرتْ مسافةً من القهرِ قبلَ أن تبلغَ أذنَه.

لكنَّه مع ذلكَ تعلَّقَ بها كما يتعلَّقُ الغريقُ بقشّةٍ لا تنقذه، غيرَ أنَّها تؤجّلُ الغرقَ ثانيةً واحدة، والثانيةُ، حين يندرُ الهواء، تكفي لتُسمّى حياة.

وكان يميّزُ نبرةَ المعلّم، صعودَها وهبوطَها، الوقفاتِ القصيرةَ التي يتنفّسُ فيها الصوتُ قبلَ أن يواصلَ دفعَ المعنى إلى الأمام.

وفي كلِّ وقفةٍ كان يمدُّ أُذنَه أكثر، كأنَّه يريدُ أن يدخلَ إلى الصمتِ نفسِه، أن يحجزَ مقعداً غيرَ مرئيٍّ بينَ الكلمات.

لم يكن طفلاً خارجَ المدرسةِ فقط؛ كان جسداً يتعلَّمُ بلا أدوات، ذاكرةً تدرِّبُ نفسَها على الحفظِ من الهواء، من الذبذبات، من فُتاتِ الأصواتِ التي تتسرَّبُ من الشقوقِ كما يتسرَّبُ الحساءُ من يدِ الجائعِ إلى ما دونَ الشبعِ بقليل.

وشعرَ أنَّ الحروفَ، حين تُسمَعُ ولا تُرى، تُصبحُ كائناتٍ حيّةً أكثرَ، أقلَّ قسوةً، وأقلَّ انضباطاً، وأقربَ إلى الطيورِ المرهقةِ التي تبحثُ عن غصنٍ لا يسألُها من أينَ جاءت.

وكانت تدخلُ رأسَهُ لا كدروس، بل كلاجئاتٍ صغيرات، مرعوباتٍ قليلاً، لكنّهنَّ، ما إن يجدنَ في داخلهِ مكاناً، حتى يبدأنَ في ترتيبِ أنفسِهنَّ كما لو أنَّهنَّ وُلدنَ هناك.

وبقيَ هناك دقائقَ أو أعواماً؛ لا فرق.

فالزمنُ قربَ المدرسةِ لا يُقاس.

دقيقةٌ قد تتمدّدُ حتى تُشبهَ عمراً كاملاً، وعمرٌ قد يمرُّ كشَهقةٍ إذا كان صاحبهُ واقفاً خلفَ الجدار.

وحين ابتعدَ لم يحملْ شيئاً يُرى، لكنَّه حملَ صوتاً إضافيّاً، وحروفاً غيرَ مكتوبة، وجوعاً صار أذكى، جوعاً عرفَ الآن شكلَ ما يفتقدُه، ولم يَعُدْ يكتفي بإحساسِ النقصِ المبهم.

ثم وصلَ إلى الباب.

ولم يصلْ وحدَه؛ وصلَ ومعهُ أملٌ صغيرٌ لا يُجيدُ التخفي حين يقتربُ من الضوء.

كان البابُ مفتوحاً، لكنَّ الفتحةَ لا تعني الدخول؛ مجرَّدُ فمٍ يتنفّسُ ثم يُغلقُ على مَن لا اسمَ له في السجلّ.

وهناكَ وقفَ الحارس: أبو خضر.

وكان جسدُهُ عريضاً على نحوٍ لا يبدو فيهِ أنَّه يحرسُ البابَ بقدرِ ما يملأُ الفراغَ الذي قد يفكِّرُ أحدٌ بالمرورِ منه.

عيناهُ لا تحتاجانِ إلى كلامٍ كثير؛ تقرآنِ الوجوهَ قبلَ أن تنطق، وتفهمانِ الغيابَ أسرعَ من الأسماء.

رفعَ يدَهُ قليلاً، لا ليمنعَ فقط، بل ليُعلِمَ أنَّ الخطوةَ محسوبة، وأنَّ المترَ الأخيرَ بينَ الرغبةِ والبابِ ليس متراً من الإسمنت، بل مترٌ من النظام.

–        إلى أين؟

وتردَّدَ الصوتُ في صدرِ رۆژار قبلَ أن يخرج، كأنَّه كان يبحثُ عن أقلِّ العباراتِ فقراً وأكثرِها احتمالاً للنجاة:

–        أريد… أن أسمع فقط.

فتأمَّلهُ الحارس، لا بوصفِه طفلاً، بل بوصفِه طلباً مشكوكاً في ترتيبِه.

كأنَّه يقيسُ المسافةَ بينَ الرغبةِ والنظام، بينَ براءةِ الفمِّ الذي نطق، وبينَ شكلِ الجملةِ إذا دخلتْ إلى سجلٍّ لا يرحمُ النوايا.

–        ما اسمُك؟

–        رۆژار.

وتوقَّفَ الاسمُ في الهواء، بلا خطّاف، بلا مكانٍ يعلّقُه.

ثم جاء السؤالُ الذي لا يَسألُ عن الطفلِ بقدرِ ما يَسألُ عن حقِّه في أن يكونَ هنا:

–        هل معك أوراق؟

وكان الصمتُ هو الوثيقةَ الناقصة.

–        دفترُ قيد؟

–        لا… لا أريدُ الجلوسَ ولا الكتابة. أريدُ أن أسمعَ فقط.

وزفرَ الحارسُ زفرةً قصيرة، كأنَّه يعيدُ الجملةَ إلى قالِبِها الرسميِّ بعد أن حاولتْ أن تكونَ إنسانيةً لحظةً واحدة:

–        الاستماعُ من الداخلِ غيرُ مسموح.

–        ولماذا؟

–        هكذا هو النظام.

–        وماذا أفعلُ أنا؟

–        تعودُ من حيثُ أتيت.

وهمسَ الطفل، لا احتجاجاً، بل محاولةً أخيرةً لأن ينجو من سوءِ التسمية:

–        أنا لستُ سارقاً…

وكانت الجملةُ قد خرجتْ من نطاقِ الوظيفة، ولهذا لم يجدِ الحارسُ فيها ما يُمكنُ مجاراتُهُ إلا بجملةٍ أشدَّ بروداً، وأقربَ إلى الحديد:

–        أنتَ بلا أوراق… لا تدخل.

وكانت الجملةُ أقصرَ من الطريق، لكنَّها سدَّتِ الجهاتِ كلَّها.

فاستدارَ رۆژار ببطء.

لم يُطرَد، ولم يُدفَع، لكنَّه انسحبَ وقد فهم.

خلفَهُ بابٌ مفتوحٌ لآخرين، وأمامَه فراغٌ أطولُ من الساحة، وأضيقُ من أن يُحتَمَل.

ثم جلسَ خلفَ الجدار.

لا كجلوسِ الأطفالِ حين يتعبون، بل كجلوسِ الأشياءِ المنسيّةِ في زوايا الأمكنة.

الحجرُ كان قريباً من ظهرِه، خشناً، بارداً، يُذكّرهُ أنَّ الوقوفَ في الخارجِ يحتاجُ إلى سندٍ، ولو كان صمتاً.

ومن هناك بدأ الصوتُ يصلُ إليه: متقطّعاً، مُثقَلاً بالمسافة، بعضُ الكلماتِ سقط، وبعضُها وصلَ ناقصاً، لكنَّه التقطَها كما يُلتقطُ الضوءُ في قاعِ بئر: لا يكفي للرؤية، لكنَّه يمنعُ العتمةَ من الاكتمال.

أغمضَ عينَيه لِيُصغي أكثر.

فحين تُغلَقُ العينُ يَكبرُ الصوت، ويصيرُ لهُ جسد.

وكان يملأُ الفراغاتِ بما يتخيَّله: كلمةً مفقودة، معنىً لم يُنطَق، نصفَ جملةٍ يبحثُ عن نصفِه الآخرِ في رأسِ طفلٍ خارجَ الجدار.

والأطفالُ في الداخلِ لم يكونوا مرئيّين، لكنَّ حركتَهم كانت تُسمَع، وكان الدرسُ حيّاً هناك،

يتحرَّك، يخطئُ ويُصحَّح، بينما هو يتعلَّمُ بلا أخطاءٍ مسموحة، لأنَّ الذي يتعلَّمُ من الشقوقِ لا يُسمحُ لهُ بخطأٍ علنيّ؛ عليهِ أن يُتقنَ الجوعَ أوّلاً، ثم الحروف.

وكانت الحروفُ، حين تصلُ منكسرة، تفقدُ صرامتَها وتكتسبُ حناناً.

لا تسألُه، لا تُحاسِبه، ولا تطلبُ منهُ دفتراً ولا قيداً ولا خانةً.

تدخلُ رأسَهُ ضيفاتٍ بلا امتحان، وبلا سجلّ، وتستقرُّ فيهِ على خجل، كما تستقرُّ الطيورُ المبلَّلةُ على غصنٍ لا يسألُها من أين جاءت.

وحين ابتعدَ الصوتُ لم يَعرِفْ متى انتهى.

فالزمنُ خلفَ الجدارِ لا يعلنُ نفسَه.

ومسحَ الحجرَ بيدِه، كأنَّه يشكرُه.

لم يحملْ درساً كاملاً، ولا صفحةً واحدةً، ولا إذناً بالدخول، لكنَّه عرفَ شيئاً واحداً سيبقى معهُ أطولَ من عمرِ ذلكَ الجدار: أنَّ الحروفَ، حتى وهي مشوَّهة، حتى وهي تتسرَّبُ من الشقوقِ مكسورةً ومجروحة، تجدُ طريقَها دائماً إلى مَن ينتظرُها.

الدفتررۆژارسِفرُ الطفولةِعمران علي (دوست)