عمران علي (دوست)
لَمْ يَكُنْ لِهٰذَا الفَصْلِ اِسْمٌ يُنْطَقُ، بَلْ كَانَ اِسْمُهُ يُخْفَى فِي صَدْرِ القَسْوَةِ، كَأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ رَحِمِ شِتَاءٍ أَعْمَى لَا يَرَى إِلَّا الفُقَرَاءَ فَيُحْسِنُ اِخْتِيَارَهُمْ لِكَيْ يَكُونُوا حَطَبَهُ الأَوَّلَ، وَلَمْ يَكُنِ البَرْدُ بَرْداً فَقَطْ، بَلْ كَانَ قَرَاراً سِيَاسِيّاً صَامِتاً، يَهْبِطُ عَلَى الصُّدُورِ كَمَرْسُومٍ بَعْثِيٍّ يَخْتِمُ العِظَامَ بِخَتْمِ الإِهْمَالِ، وَيُعْلِنُ أَنَّ الكُرديَّ لَيْسَ مُوَاطِناً فِي الطَّقْسِ أَيْضاً، وَأَنَّ الرِّيحَ لَهَا جِنْسِيَّةٌ، وَأَنَّ الدِّفْءَ يُمْنَحُ لِمَنْ يَمْلِكُ رَقْماً فِي دَفْتَرِ الطَّاعَةِ.
كَانَتِ الأَرْضُ فِي دشتاڤ مُتَصَلِّبَةً كَجَبِينِ ضَابِطٍ يَحْفَظُ النَّشِيدَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْفَظُ أَسْمَاءَ النَّاسِ، وَكَانَتِ السَّمَاءُ وَاطِئَةً حَتَّى لَيُخَيَّلُ أَنَّهَا سَقْفُ زِنْزَانَةٍ كُبْرَى تُدَارُ بِقَلَمٍ أَحْمَرَ، فَلَا نَافِذَةَ فِيهَا إِلَّا لِلتُّهْمَةِ، وَلَا ضَوْءَ فِيهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَكْفِي لِرُؤْيَةِ الإِذْلَالِ.
لَمْ يَعُدِ المَرَضُ عَارِضاً بَيُولُوجِيّاً، بَلْ أَصْبَحَ بَيَاناً أَخِيراً يَكْتُبُهُ الجَسَدُ ضِدَّ الحَيَاةِ نَفْسِهَا، كَأَنَّ العُرُوقَ سَئِمَتْ أَنْ تَدْفَعَ دَماً فِي جِسْمٍ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ الوَطَنُ، وَكَأَنَّ القَلْبَ أَدْرَكَ أَنَّ الخَفَقَانَ لَا يُسَجَّلُ فِي الدَّوَائِرِ، وَأَنَّ الأَلَمَ لَا يَحْمِلُ خَتْماً رَسْمِيّاً.
وَجْهُ خَدِيجَةَ “خَجُّو” اصْفَرَّ كَوَرَقَةِ خَرِيفٍ كُتِبَ عَلَيْهَا قَرَارُ شَطْبٍ، وَصَوْتُهَا، الَّذِي كَانَ يَمْلَأُ البَيْتَ دُفْئاً وَنِدَاءً، تَحَوَّلَ إِلَى هَمْسٍ مُتَقَطِّعٍ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ صَدْرِهَا تَدْفَعُ ثَمَنَ خُرُوجِهَا مِنْ لَحْمٍ مُتْعَبٍ وَرُوحٍ مَخْذُولَةٍ. لَمْ يَكُنِ المَوْتُ قَدْ دَخَلَ البَيْتَ بَعْدُ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَرَبَّصُ خَلْفَ السَّتَائِرِ كَمُخْبِرٍ صَامِتٍ، يَعُدُّ الأَنْفَاسَ وَيَنْتَظِرُ أَمْراً لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيعٍ.
فِي ذٰلِكَ الشِّتَاءِ، انْكَشَفَتِ الحَيَاةُ عَلَى قُبْحِهَا الأَقْصَى، لَمْ تَعُدْ أُمّاً رَحِيمَةً، بَلْ صَارَتْ سَاحَةَ اِخْتِبَارٍ لِمَنْ يَحْتَمِلُ الإِهَانَةَ أَكْثَرَ.
السُّلْطَةُ، وَهِيَ تَتَوَارَى خَلْفَ شِعَارَاتٍ صَدِئَةٍ عَنِ الوَحْدَةِ وَالحُرِّيَّةِ، كَانَتْ تَمْضِي كَمِقْصٍّ كَبِيرٍ فِي حَدِيقَةِ الأَسْمَاءِ، تَقُصُّ الهُوِيَّاتِ وَتَرْمِي بِهَا فِي سِلَّةِ “الأَجَانِبِ أو مَكتومي القَيد”، وَتَتَرُكُ الأَجْسَادَ تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تَمُوتُ بِلا اِعْتِرَافٍ.
أَيُّ وَطَنٍ هٰذَا الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى رَقْمٍ لِيَسْمَحَ لِقَلْبٍ أَنْ يَخْفِقَ؟
أَيُّ قَانُونٍ هٰذَا الَّذِي يَجْعَلُ الأُمَّهَاتِ يَتَرَدَّدْنَ بَيْنَ السَّرِيرِ وَالقَبْرِ لِأَنَّ الوَرَقَةَ لَمْ تُسْتَكْمَلْ؟
كَانَ البَيْتُ يَبْدُو كَأَنَّهُ يَتَقَلَّصُ عَلَى نَفْسِهِ، جُدْرَانُهُ تَحْفَظُ صُوَرَ الضِّحْكَاتِ القَدِيمَةِ كَأَنَّهَا وَثَائِقُ سَرِّيَّةٌ خَائِفَةٌ مِنَ المُصَادَرَةِ، وَالأَثَاثُ يَنْظُرُ فِي صَمْتٍ إِلَى سَرِيرٍ يَغْرَقُ فِي الظِّلِّ. كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ المَوْتَ لَنْ يَكُونَ حَادِثَةً فَرْدِيَّةً، بَلْ فَضِيحَةً كُبْرَى تُكْشَفُ فِيهَا عَوْرَةُ الدَّوْلَةِ أَمَامَ نَفْسِهَا، فَحِينَ تَمُوتُ امْرَأَةٌ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَقْماً، يَمُوتُ مَعَهَا ادِّعَاءُ العَدَالَةِ، وَيَنْهَارُ شِعَارُ الحِزْبِ كَقِنَاعٍ بَالٍ عَلَى وَجْهِ قَاسٍ.
هٰكَذَا بَدَأَ، لَا بِصَرْخَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ بِتَرَاكُمِ صُمُوتٍ ثَقِيلَةٍ، بِغَضَبٍ مَكْتُومٍ يَنْخَرُ العِظَامَ كَصَدَأٍ بَطِيءٍ، وَبِإِحْسَاسٍ مُرْعِبٍ أَنَّ المَوْتَ هٰذِهِ المَرَّةَ لَنْ يَكُونَ نِهَايَةَ جَسَدٍ فَقَطْ، بَلْ اِتِّهَاماً مُوَجَّهاً إِلَى الحَيَاةِ نَفْسِهَا، وَحُكْماً قَاطِعاً عَلَى سُلْطَةٍ لَا تَعْرِفُ مِنَ الوَطَنِ إِلَّا خَتْمَهُ، وَلَا مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّا رَقْمَهُ.