ما زال في وسع غورباتشوف (83 عاماً) أن يزيد ويعيد في القصة كلها، ومن جديده، أول من أمس، أنه يوجه كلمة (لمن؟)، بمناسبة ذكرى هدم جدار برلين، ويقول فيها إن الولايات المتحدة لم تف بوعودٍ قطعتها بعد التحول الذي شهدته أوروبا في 1989، وإن الغرب، بدلاً من بناء الثقة مع روسيا، انشغل بإعلان نفسه منتصراً في الحرب الباردة، وجمع المنافع مستفيداً من ضعف روسيا آنذاك. والبادي في كلام صاحب البيروسترويكا، والذي كافأه الغرب على صنيعه التاريخي بمنحه جائزة نوبل للسلام (1990)، أنه تعبير عن شعورٍ بخديعةٍ ما، كأن الزعيم السابق للدولة العظمى السابقة يفترض “شهامة” من الغرب تجاه روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي، ودول أوروبا الشرقية. وهذه يحسن التذكير، هنا، بأنها شهدت انتفاضات حقيقية ضد الاستبداد والتسلط والاختناق، وساهمت فيها تكتلاتٌ اجتماعية وعمالية ونقابات وفاعليات ثقافية، وإذا كان الغرب قد استثمر هذا المستجدّ النوعي، فذلك لا يعني أن ذلك الربيع من إنتاجه الاستخباري. والأجدى بإنعام النظر فيه بشأن ذلك المقطع من تحولات القرن العشرين تطلع الشعوب إلى التحرر، وإلى امتلاك إرادتها، وميلها الفطري إلى الديمقراطية ونبذ الشمولية المغلفة بخطاب الوصاية الأيدولوجية، والذي يحمل أرطالاً من العفونة والفساد عند كثيرين من محتكري القرار.
كأن ذكرى هدم جدار برلين مناسبة لبث غورباتشوف أسى وشجى مقيميْن فيه، فيما يسّرت مناسبةً لأنجيلا ميركل وباراك أوباما وفرانسوا هولاند للتعبير عن إعجابٍ بشجاعة الألمان في إنجازهم ما بادروا إليه. والمرجح أن ميركل لم تقع في شططٍ، أو تزيّد، في قولها إن “برلين لا تعبر فقط عن صورة ألمانيا، بل إنها تقريباً رمز لوحدة أوروبا بعد الحرب الباردة”. ولا نظنّه حاد عن الصحيح، غورباتشوف نفسه، في قوله إن “العالم على أعتاب حربٍ باردة جديدة، إنْ لم تكن قد بدأت بالفعل”، فالذي تقوم به روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، فيه نوع من استعادة بعض الروح القيصرية الغابرة، وشيء من تجديد مكانةٍ تحطمت كثيراً في سياق سابق (بوريس يلتسين ليس منسياً بعد). وواقعتا أوكرانيا والقرم شهادة دالة على قولٍ مثل هذا، لا يتم مجازاً، ولا من باب تحبيذه انحيازاً لموقف أخلاقي من بؤس السياسات الأميركية. ولا مجازفة في الزعم بأن جداراً صعباً وباهظ الكلفة وجد الشعب السوري المدمّى والأسير نفسه قدامه، جراء اندفاعة روسيا الراهنة، وجراء حرب غير باردة للأسف.
العربي الجديد